جرائم التزوير المصرفي وغسل الأموال: قضية تولّاها مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي عن المجني عليهم أمام محكمة التمييز
تُمثّل جرائم التلاعب بالحسابات المصرفية واستغلال الثقة من أخطر صور الاعتداء على الأموال، خاصة حين يكون مرتكبها موظفًا مؤتمنًا على حسابات عملائه. وفيما يلي عرض موضوعي لإحدى القضايا التي تولّاها مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي ممثلًا عن المجني عليهم، والتي وصلت إلى محكمة التمييز الكويتية وانتهت إلى تأييد إدانة الجاني.
أولًا: وقائع القضية
تتلخص الوقائع في أن موظفًا بأحد البنوك كان مسؤولًا عن إدارة حسابات اثنين من العملاء، فاستغل موقعه وثقتهما به على مدى سنوات ممتدة، وقام بتزوير توقيعاتهما على عشرات الإيصالات وأوامر التحويل البنكية، كما استغل بعض الإيصالات الموقّعة على بياض.
وتمكّن بهذه الوسائل من تحويل ما يزيد على مليون وأربعمائة ألف دينار من حساب العميل الأول، ومبلغ مماثل من حساب العميل الثاني، إلى حسابه الشخصي وحسابات شركتين مملوكتين له، دون موافقة أو تفويض من المجني عليهما. كما استولى على مبالغ أخرى سُلّمت إليه بزعم استثمارها لصالح أحد العملاء، فخان الأمانة فيها.
وبلغ إجمالي الأموال محل التلاعب أكثر من ثلاثة ملايين دينار، عمد الجاني إلى تحويلها وإخفاء مصدرها غير المشروع، بما يشكّل جريمة غسل أموال مكتملة الأركان.
ثانيًا: الجانب القانوني
تشابكت في هذه القضية عدة جرائم، وأثارت مسائل قانونية دقيقة، أبرزها:
1. تعدد الجرائم وأركان غسل الأموال
اجتمعت في حق الجاني أربع جرائم: التزوير في ورقة من أوراق البنوك، والنصب، وخيانة الأمانة، وغسل الأموال. ويتحقق الركن المادي لجريمة غسل الأموال متى ارتكب الجاني أحد الأفعال المنصوص عليها قانونًا — كنقل الأموال أو تحويلها أو إخفاء مصدرها — مع علمه بأنها متحصّلة من جريمة. وتقدير توافر هذا الركن من سلطة محكمة الموضوع تستخلصه من ظروف الدعوى وعناصرها.
2. الارتباط بين الجرائم والعقوبة الأشد
متى كانت الجرائم مرتبطة ارتباطًا لا يقبل التجزئة، وارتُكبت لغرض واحد ضمن خطة جنائية واحدة، تُطبَّق عليها عقوبة الجريمة الأشد عملًا بنص قانون الجزاء. وتقدير قيام هذا الارتباط من السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.
3. عدم جواز الصلح في جريمة غسل الأموال
من المبادئ المهمة التي أرستها القضية أن جريمة غسل الأموال لا تندرج ضمن الجرائم التي يجوز فيها الصلح أو العفو من المجني عليه، إذ وردت تلك الجرائم على سبيل الحصر في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية. وبالتالي فإن أي تنازل صادر من المجني عليه قِبَل البنك يبقى دون أثر على المسؤولية الجزائية عن هذه الجريمة.
4. تأخر الإبلاغ والدفع بمسؤولية الغير
قرّرت المحكمة أن تأخر المجني عليهما في الإبلاغ لا يمنع من الأخذ بأقوالهما متى اطمأنت إليها. كما أن الدفع بمسؤولية أشخاص آخرين عن الجريمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تحول دون مساءلة الجاني عن الجرائم التي أدين بها.
ثالثًا: حكم المحكمة
قضت محكمة الجنايات بحبس الجاني سبع سنوات، وتغريمه مبلغًا ماليًا كبيرًا، وإلزامه بأداء ما يعادل قيمة الأموال محل جريمة غسل الأموال لعدم ضبطها، مع مصادرة المستندات المزورة. وأيّدت محكمة الاستئناف هذا الحكم.
وإذ طعن كلٌّ من المحكوم عليه والنيابة العامة بالتمييز، انتهت محكمة التمييز إلى:
- قبول الطعنين شكلًا، ورفضهما موضوعًا.
- تأييد إدانة الجاني بجميع الجرائم المسندة إليه.
- تأكيد سلامة تطبيق مبدأ العقوبة الأشد لارتباط الجرائم.
- تأكيد أن التنازل في جريمة غسل الأموال لا أثر له على المسؤولية الجزائية.
وبذلك أصبح الحكم باتًا بإدانة الجاني، محقّقًا للعدالة لصالح المجني عليهم الذين تعرّضوا للاستيلاء على أموالهم عبر سنوات من التلاعب المصرفي.
الخلاصة
ترسّخ هذه القضية أن استغلال الموظف المصرفي لموقعه وثقة عملائه يُعرّضه لمساءلة جزائية مشدّدة، وأن جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة لا يسقطها تنازل المجني عليه. وهي من القضايا التي يعتزّ مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي بتولّيها دفاعًا عن حقوق المجني عليهم، وصولًا إلى تأييد الإدانة باتةً أمام أعلى درجات التقاضي.