قضية الأموال العامة والهيئة الخيرية: حين يخون المؤتمن — قضية تولّى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي تقديم شكواها أمام النيابة العامة
ليس كل خيانة تبدأ بالعنف، بعضها يبدأ بتوقيع على ورقة، وببيع أرض لا تملك، وبقرض من مال لا تملكه. هذه قصة مسؤولين ائتمنتهم مؤسسة خيرية كويتية عريقة على أموالها وممتلكاتها في الخارج، فردّوا الأمانة بالغدر، والمسؤولية بالاستغلال. وحين وصلت الشكوى إلى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي، كان القرار واضحًا: تقديم الشكوى أمام النيابة العامة، ومتابعة القضية حتى صدور الحكم البات بالإدانة.
أولا: البداية — مؤسسة خيرية ومسؤولون في الخارج
تمتلك إحدى الهيئات الخيرية الكويتية الكبرى مكاتب ولجانًا منتشرة في دول عدة، وكان من بين هذه المكاتب مكتب في إحدى دول رابطة الدول المستقلة. وكان المسؤولون عن هذا المكتب من كبار المسؤولين في الهيئة — أحدهم بصفة عضو مجلس إدارة ورئيس للجنة المنوط بها الإشراف على هذا المكتب، والآخر مديرًا للمكتب ميدانيًا.
كانت الهيئة قد امتلكت أرضًا استثمارية في العاصمة، خُصصت لها بعد أن نزعت الحكومة المحلية ملكية مقرها القديم. وقد ساهمت في تمويل شرائها وزارة الأوقاف الكويتية بمبلغ مائة ألف دينار، وكانت مخصصة لإقامة صرح حضاري كويتي إسلامي يحمل اسم الكويت في تلك الدولة. كانت هذه الأرض تقع في منطقة استراتيجية وتجارية مميزة، وكانت قيمتها الحقيقية تناهز ثلاثة ملايين دولار.
ثانيًا: الجريمة — بيع ما لا تملك
في عام 2014، وبعيدًا عن أعين الهيئة ودون علمها أو موافقتها، أقدم المسؤول الأول — بصفته رئيسًا للجنة — على توكيل المسؤول الثاني ببيع تلك الأرض، وتمّ إبرام عقد بيع رسمي مسجّل بقيمة مليوني دولار فقط، في حين أن قيمتها الحقيقية كانت تزيد على ذلك بكثير. والأشد من ذلك، أن المشترين لم يسدّدا إلا نصف هذا المبلغ — مليون دولار فقط — دون أن تأخذ الجهة البائعة أية ضمانات على باقي الثمن.
والغريب أن المسؤولين كانوا قد أبرموا قبل ذلك عقودًا أخرى بأسعار مختلفة، يتضمن أحدها تعهدًا للمسؤول الأول بالحصول على نصف مليون دولار ونسبة خمسين بالمئة من أرباح المشروع لمدة خمس سنوات. وهو ما كشف النية الحقيقية وراء الصفقة بأجلى صورة.
ولم تتوقف الجرائم عند هذا الحد، إذ استغل المسؤولان موقعيهما لمنح مؤسسة خاصة أسساها بأنفسهما في تلك الدولة مبلغ سبعين ألف دينار كويتي من أموال الهيئة تحت مسمى “قرض”، وذلك في غير الأغراض المخصصة للجنة، بل وصرف مبلغ عشرة آلاف دينار كويتي كانت مخصصة لشراء أرض لصالح الهيئة فتبيّن أنها سُجّلت باسم تلك المؤسسة الخاصة. كما كشف التحقيق عن مخالفات أخرى عديدة من صرف رواتب لموظفين وهميين، وزيادة رواتب موظفين دون موافقة الهيئة، وأخذ رسوم على أجهزة طبية قدّمتها الكويت لعلاج المرضى بالمجان.
ثالثًا: الكشف — حين يتكلم الصمت
لم يكن اكتشاف الجريمة من الداخل، بل جاء بفضل يقظة السفارة الكويتية في تلك الدولة التي رصدت خلال مهامها الرقابية على العمل الخيري الكويتي في الخارج إشاراتٍ تدل على أن أرض الهيئة قد بيعت. فأبلغت الهيئة فورًا، فشكّلت بدورها فريق تدقيق ميدانيًا، فكان ما وجده مخزيًا: عقود بيع مخفية، ومبالغ مختلسة، وموظفون وهميون، ومشاريع خيرية طُويت دون تنفيذ.
على إثر ذلك، فصل المسؤولان من عملهما، وأُغلق مكتب الهيئة في تلك الدولة. ثم بادرت الهيئة بتقديم بلاغها إلى النيابة العامة، حيث تولّى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي تقديم الشكوى وملاحقة القضية قضائيًا.
رابعًا: الجانب القانوني — مسائل دقيقة حسمتها المحكمة
1. هل أموال الهيئة الخيرية أموال عامة؟
كان هذا أبرز النقاط الخلافية في القضية. فقد ذهب الحكم الابتدائي ومحكمة الاستئناف في البداية إلى أن أموال الهيئة ليست أموالًا عامة لأنها ذات طابع دولي ومستقلة عن الدولة. غير أن محكمة التمييز حسمت المسألة حسمًا قاطعًا، مقررةً أن الهيئة أُنشئت بقانون خاص، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة الأوقاف إداريا وماليًا، ولا يجوز تعديل نظامها الأساسي أو حلّها إلا بموافقة الحكومة، وتؤول أموالها عند الحل إلى الجهات التي توافق عليها الدولة. وبناءً على ذلك، قررت المحكمة أن أموالها أموال عامة بامتياز.
2. هل المسؤولون في حكم الموظفين العموميين؟
قررت محكمة التمييز أن كل من يعمل في مصلحة موضوعة تحت إشراف الحكومة ورقابتها يُعدّ في حكم الموظف العام، وهو ما ينطبق على المسؤولين في هذه القضية تمامًا، مما يُخضعهم لأحكام قانون حماية الأموال العامة بكامله.
3. تسهيل الاستيلاء على المال العام
قررت المحكمة أن جريمة تسهيل الاستيلاء على المال العام تتحقق بكل فعل يقوم به من في حكم الموظف العام من شأنه تمكين الغير من الحصول على ذلك المال بغير حق. ولا يشترط لقيام هذه الجريمة أن تعود على الموظف فائدة شخصية، بل يكفي توجه إرادته إلى تسهيل الاستيلاء.
4. الرشوة وارتباطها بالجرائم الأخرى
ثبت أن أحد المشترين أودع مبلغًا يزيد على ثمانية وعشرين ألف دينار في حساب شركة خاصة بنجل المسؤول الأول، وذلك مقابل تسهيل عملية البيع والامتناع عن حماية أصول الهيئة. وقد قررت المحكمة أن جريمة الرشوة إذا كان الغرض منها ارتكاب فعل يُعاقب عليه بعقوبة أشد، فإن العقوبة الأشد تُطبَق مع الغرامة المقررة للرشوة.
5. الارتباط بين الجرائم والعقوبة الأشد
لما كانت جميع الجرائم المرتكبة — من تسهيل الاستيلاء والرشوة والاختلاس — تنتظمها خطة إجرامية واحدة لا تقبل التجزئة، فقد طبّقت المحكمة عقوبة الجريمة الأشد عملًا بالمادة 84 من قانون الجزاء، مع الغرامات المقررة لكل جريمة مستقلة.
خامسًا: حكم المحكمة — العدالة تأخذ مجراها
بعد مسيرة قضائية طويلة امتدت عبر ثلاث درجات من التقاضي، انتهت القضية بحكم بات صدر عن محكمة التمييز الكويتية يقضي بما يلي:
- معاقبة جميع المتهمين بالحبس مدة سبع سنوات مع الشغل عن جميع التهم المسندة إليهم.
- إلزامهم جميعًا بردّ مبلغ مليوني دولار أمريكي قيمة ما استُولي عليه من المال العام.
- تغريمهم مبلغ أربعة ملايين دولار أمريكي — أي ضعف المبلغ — عن جريمتَي تسهيل الاستيلاء والرشوة.
- إلزام المسؤولين الأول والثاني بردّ سبعين ألف دينار كويتي وتغريمهما ضعف ذلك المبلغ عن جريمة القرض غير المشروع.
- إلزام المسؤول الثاني بردّ عشرة آلاف دينار كويتي وتغريمه ضعفها عن جريمة الاستيلاء على مبلغ الأرض.
- تغريم المسؤول الأول والمشتري الرابع مبلغًا يعادل ضعف الرشوة محل الجريمة.
- الأمر بإبعاد المسؤول الثاني — وهو أجنبي — من البلاد بعد تنفيذ العقوبة.
الخلاصة
هذه القضية درس بليغ في أن الأمانة ليست شعارًا، بل مسؤولية يُحاسب عليها القانون. وهي تُجسّد أن المال الخيري المخصص لخدمة الإسلام والمسلمين محمي بسياج قانوني صارم لا يُستهان به، وأن من يمدّ يده إليه — مهما علا منصبه — سيجد أمامه القانون والقضاء. ويعتزّ مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي بأنه كان الجهة التي تقدمت بالشكوى أمام النيابة العامة في هذه القضية، وتابعت مسارها القضائي حتى صدور الحكم البات بإدانة جميع المتهمين، ذودًا عن المال العام وصونا لحقوق المؤسسات الخيرية الكويتية.