يقع في الحياة العملية كثيراً أن يتسبب موظف أو سائق أو عامل في ضرر لشخص آخر أثناء أداء عمله، فيجد المضرور نفسه أمام سؤال عملي: هل يطالب الفاعل نفسه الذي قد لا يملك مالاً يكفي للتعويض، أم يطالب صاحب العمل الذي كلّفه بالمهمة؟ ويجيب القانون المدني الكويتي عن هذا السؤال بقواعد المسؤولية عن عمل الغير، وفي مقدمتها مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه. يشرح هذا المقال شروط هذه المسؤولية، ومتى تقوم رابطة التبعية، وحق المتبوع في الرجوع على من أوقع الضرر، ومسؤولية من يتولى رقابة القاصر ومن في حكمه.
القاعدة العامة: مسؤولية المتبوع عن تابعه
نصّت المادة 240 من القانون المدني على أن «يكون المتبوع مسئولا، في مواجهة المضرور، عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعا منه في أداء وظيفته أو بسببها». ومعنى ذلك أن المضرور لا يحتاج إلى إثبات خطأ شخصي في جانب صاحب العمل، وإنما يكفيه أن يثبت أمرين: وجود علاقة تبعية بين الفاعل وصاحب العمل، ووقوع الفعل الضار من التابع في أثناء أداء وظيفته أو بسببها.
وتظهر قيمة هذه القاعدة في أن المتبوع غالباً ما يكون شركة أو مؤسسة أو صاحب نشاط لديه القدرة المالية على الوفاء بالتعويض، بخلاف التابع الذي قد يكون عاملاً محدود الدخل. ولذلك تمنح القاعدة المضرور ضماناً حقيقياً لاستيفاء حقه.
متى تقوم رابطة التبعية
لا يشترط أن يكون هناك عقد عمل مكتوب حتى تقوم التبعية. فقد بيّنت الفقرة الثانية من المادة 240 أن «وتقوم رابطة التبعية، ولو لم يكن المتبوع حرا في اختيار تابعه، متى كان من شأن المهمة المكلف بها التابع أن تثبت للمتبوع سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه». فالمعيار إذن هو السلطة الفعلية في الرقابة والتوجيه، لا الشكل القانوني للعلاقة.
وعلى هذا الأساس تقوم التبعية في صور متعددة، منها:
- علاقة صاحب العمل بالعامل أو الموظف الذي يعمل تحت إشرافه وتوجيهه.
- علاقة صاحب المركبة بمن كلّفه بقيادتها لحسابه وبتعليماته.
- علاقة المقاول الأصلي بمن يعملون تحت إدارته وتوجيهه إن ثبتت له سلطة فعلية عليهم.
أما من يعمل لحسابه الخاص مستقلاً في تنظيم عمله دون رقابة أو توجيه من الغير، فلا تقوم بشأنه رابطة التبعية بالمعنى الذي يقصده النص.
الفعل الضار «في أداء الوظيفة أو بسببها»
هذا هو الشرط الذي تدور حوله أغلب المنازعات. فالمتبوع لا يسأل عن كل فعل يصدر من تابعه، وإنما عن الفعل الذي وقع منه في أداء وظيفته أو بسببها. ويدخل في ذلك الخطأ الذي يقع أثناء تنفيذ المهمة، كالسائق الذي يتسبب في حادث وهو يوصّل بضاعة لحساب صاحب العمل. ويدخل فيه كذلك الفعل الذي لولا الوظيفة ما تهيأت للتابع فرصة ارتكابه، حتى لو جاوز حدود ما أُذن له به.
أما الفعل الذي لا صلة له بالوظيفة، ولا تربطه بها رابطة سببية أو مناسبة، فيبقى التابع وحده مسؤولاً عنه. وتقدير هذه الصلة مسألة موضوعية تنظر فيها المحكمة بحسب وقائع كل قضية، ومن المفيد للمضرور أن يجمع الأدلة التي تُظهر طبيعة المهمة الموكولة للتابع ووقت الحادث ومكانه وعلاقته بالعمل.
حق المتبوع في الرجوع على من أوقع الضرر
إذا دفع المتبوع التعويض للمضرور فليس معنى ذلك أن الخسارة استقرت عليه نهائياً. فقد قرّرت المادة 241 أن «للمسئول عن عمل الغير، أن يرجع عليه بكل ما يدفعه للمضرور تعويضا عن عمله غير المشروع». وبذلك يستطيع صاحب العمل أن يطالب التابع بما أدّاه للمضرور، لأن التابع هو الذي ارتكب الفعل الضار أصلاً.
وفي الواقع العملي يتعيّن على أصحاب الأعمال أن يوازنوا بين ممارسة هذا الحق وبين الاعتبارات الأخرى في علاقة العمل، وأن يراعوا قواعد قانون العمل في الاقتطاع من أجور العمال. ويمكنك الاطلاع على الإطار العام لهذه العلاقة في دليل قانون العمل الكويتي.
مسؤولية من تجب عليه رقابة شخص آخر
إلى جانب مسؤولية المتبوع، تناول القانون المدني حالة من تجب عليه رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة. فالمادة 238 تنص على أن من يجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة «بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية» يكون ملزماً بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص بعمله غير المشروع، «وذلك ما لم يثبت أنه قام بواجب الرقابة على نحو ما ينبغي، أو أن الضرر كان لابد واقعا ولو قام بهذا الواجب».
ويظهر من النص أن هذه المسؤولية تقوم على افتراض التقصير في الرقابة، لكنه افتراض يقبل إثبات العكس: فللمسؤول أن يتخلص منها إذا أثبت أنه بذل في الرقابة ما ينبغي، أو أن الضرر كان سيقع حتى مع حسن الرقابة. وهي بذلك تختلف عن مسؤولية المتبوع التي لا يملك فيها المتبوع نفي المسؤولية بإثبات حسن اختياره لتابعه أو إشرافه عليه.
كما حدّد النص متى يُعدّ القاصر في حاجة إلى الرقابة، فنصّ على أنه «إذا لم يبلغ خمس عشرة سنة، أو بلغها وكان في كنف القائم على تربيته». وتنتقل الرقابة على القاصر إلى معلمه في المدرسة أو المشرف في الحرفة ما بقي تحت إشرافه، وتنتقل الرقابة على الزوجة القاصر إلى زوجها أو إلى من يتولى الرقابة على الزوج.
مسؤولية الدولة أو المدرسة الخاصة بدل المعلم
تناولت المادة 239 حالة المعلم، فقرّرت أن «تحل مسئولية الدولة محل مسئولية المعلم»، وإذا كان المعلم يعمل في مدرسة أو معهد خاص حلّت مسؤولية صاحب المدرسة أو المعهد محل مسؤوليته. ولا يجوز للدولة أو لصاحب المدرسة الرجوع على المعلم بما يدفعه للمضرور إلا إذا ثبت الخطأ على المعلم. فالمضرور في هذه الحالة يوجّه مطالبته إلى الجهة المسؤولة لا إلى المعلم شخصياً.
كيف تباشر دعوى التعويض عملياً
إن كنت مضروراً من فعل تابع لجهة ما، فالخطوات العملية عادةً هي:
- توثيق الواقعة بما يتاح من محاضر رسمية وتقارير وشهادات وصور.
- تحديد هوية المتبوع بدقة، كالشركة أو المؤسسة أو صاحب العمل، وإثبات علاقة التبعية بالفاعل.
- إثبات أن الفعل وقع أثناء الوظيفة أو بسببها.
- تقدير الضرر وإثباته بالمستندات، سواء كان مادياً أو أدبياً.
- رفع الدعوى على الفاعل والمتبوع معاً لتكتمل الخصومة ويتحقق ضمان الوفاء.
وللاطلاع على الأحكام العامة لدعاوى التعويض يمكنك مراجعة مقالنا عن المسؤولية التقصيرية في الكويت، ومقالنا عن المسؤولية عن حراسة الأشياء والحيوان.
الأسئلة الشائعة
هل يلزمني إثبات خطأ صاحب العمل لأحصل على التعويض منه؟
لا. تقوم مسؤولية المتبوع على علاقة التبعية ووقوع الفعل الضار في أداء الوظيفة أو بسببها، فلا يُشترط أن تثبت خطأً شخصياً في جانب صاحب العمل نفسه.
هل يستطيع صاحب العمل أن يطالب العامل بما دفعه من تعويض؟
نعم، فالمادة 241 تعطي المسؤول عن عمل الغير حق الرجوع على من أوقع الضرر بكل ما دفعه للمضرور، مع مراعاة أحكام قانون العمل.
هل أستطيع مقاضاة العامل وصاحب العمل في دعوى واحدة؟
نعم، ويُنصح بذلك عادةً حتى يصدر الحكم في مواجهة الطرفين ويتحقق للمضرور ضمان الوفاء بالتعويض.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية متخصصة في وقائع قضيتك. وإن كنت مضروراً من فعل تابع لجهة ما أو تواجه مطالبة بالتعويض بصفتك صاحب عمل، يسعدنا استقبالك في المكتب عبر نموذج حجز الاستشارة أو الاتصال على +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
