يتلقى كثير من الناس اتصالاً من شخص يقدّم نفسه على أنه «محقق» أو «موظف في جهة حكومية» ويطلب بيانات أو مالاً لإنهاء معاملة أو إسقاط قضية، أو يفاجأ بأن أحداً استعمل اسمه وبياناته ليقرّ عنه بدين أو ليتسلم مالاً مستحقاً له. هذه الصور كلها تدخل تحت عنوان واحد في قانون الجزاء الكويتي هو «الانتحال»، لكنها في الحقيقة ثلاث جرائم مختلفة لكل منها أركانها وعقوبتها: انتحال الوظيفة العامة، وارتداء زي أو علامة الموظفين دون حق، وانتحال شخصية الغير. ويتداخل معها النصب حين يكون انتحال الصفة وسيلة للاستيلاء على المال. يشرح هذا المقال الفروق بينها، وكيف تُثبت، وما الذي يفعله المجني عليه والمتهم كل في موقعه.
انتحال الوظيفة العامة: متى تقوم الجريمة؟
نص قانون الجزاء في المادة 126 على معاقبة «كل من ادعى انه موظف عام، وقام بناء على هذه الصفة الكاذبة، بعمل يدخل في اختصاص الموظف الذي انتحل صفته، او دخل مكانا لا يسمح لغير هذا الموظف بدخوله». ويُفهم من النص أن مجرد الادعاء الشفهي بأن الشخص موظف لا يكفي وحده لقيام هذه الجريمة، بل يلزم أن يقترن الادعاء بأحد أمرين:
- القيام بعمل من اختصاص الوظيفة المنتحلة: كأن يدّعي شخص أنه مفتش بلدية فيحرر مخالفة لمحل تجاري، أو يدّعي أنه من رجال الأمن فيطلب تفتيش هاتف أو سيارة، أو يزعم أنه موظف في جهة رسمية فيستلم أوراقاً أو يطلب سداد «رسوم» لإنهاء معاملة.
- دخول مكان مقصور على الموظف: كدخول منطقة محظورة أو مكتب لا يدخله إلا أصحاب الصفة الرسمية اعتماداً على الادعاء الكاذب.
ولا يشترط النص أن يحصل الجاني على مال أو منفعة؛ فالجريمة تقوم بمجرد مباشرة العمل الوظيفي بناء على الصفة الكاذبة، لأن المصلحة المحمية هي ثقة الناس في الوظيفة العامة ذاتها. أما إذا ترتب على ذلك تسلّم مال من المجني عليه فتنشأ إلى جانبها جريمة النصب كما سيأتي.
ارتداء زي الموظفين أو علاماتهم دون حق
عالجت المادة 127 صورة مستقلة هي التشبه الخارجي، فعاقبت «كل من اتخذ لنفسه زيا او علامة تتميز بها طائفة من الموظفين، قاصدا بذلك الحصول على مزايا لا حق له فيها او الاضرار باحد الافراد». ويلاحظ في هذه الصورة أمران:
- الفعل المادي هو ارتداء الزي أو حمل العلامة المميزة لفئة من الموظفين، كالزي العسكري أو الشرطي أو الشارات والبطاقات الرسمية، ولو لم يقم الشخص بأي عمل من أعمال الوظيفة.
- القانون يفرّق في العقوبة بحسب القصد: فإذا ثبت أن الغرض هو الحصول على مزايا بغير حق أو الإضرار بشخص كانت العقوبة أشد، وإن لم يتوافر هذا القصد اقتصرت العقوبة على الغرامة وحدها. ولهذا يكون القصد محور الدفاع والاتهام معاً في هذه القضايا.
ومن الأمثلة العملية: استعمال سترة أو شارة تشبه شارات الجهات الأمنية للمرور من نقاط معينة، أو تعليق شعار جهة رسمية على سيارة خاصة لإيهام الآخرين بصفة غير حقيقية.
انتحال شخصية الغير: الاستيلاء على المال والإقرار باسم شخص آخر
هذه الصورة لا تتعلق بالوظيفة العامة، بل بانتحال شخصية إنسان محدد. وقد نص قانون الجزاء على حالتين:
- الاستيلاء على مال مستحق للغير: تعاقب المادة 281 «كل من انتحل شخصية آخر يحق له بموجب وصية او بحكم القانون ان يحصل على مال معين، واستولى على هذا المال». ومثالها أن يتقدم شخص باسم وارث أو موصى له فيتسلم نصيبه، أو يصرف مستحقات قانونية مقررة لغيره مستعملاً بياناته.
- الإقرار بالتزام باسم الغير: تعاقب المادة 282 «كل من انتحل شخصية آخر، واقر بالتزام او بسند ايا كان، امام محكمة او هيئة او شخص مختص قانونا بتلقي هذا الاقرار». ومثالها الحضور أمام جهة توثيق أو جهة رسمية باسم شخص آخر للإقرار عنه بدين أو بتنازل. وهذه الحالة هي الأشد عقوبة بين صور الانتحال، لخطورة أثرها على ذمة شخص بريء وعلى حجية المحررات الرسمية.
وكثيراً ما تقترن هذه الجرائم بالتزوير، كاستعمال بطاقة مدنية مزورة أو توقيع منسوب للغير، فتتعدد الجرائم وتنظر المحكمة في الارتباط بينها. ويمكن الرجوع إلى شرح جرائم التزوير والشيكات لفهم هذا التداخل.
الفرق بين انتحال الصفة والنصب
عرّفت المادة 231 من قانون الجزاء النصب بأنه «كل تدليس قصد به فاعله ايقاع شخص في الغلط او ابقاءه في الغلط الذي كان واقعا فيه، لحمله على تسليم مال في حيازته»، وذكرت من صور الطرق الاحتيالية «اتخاذ اسم كاذب او انتحال صفة غير صحيحة». ومن هنا يتضح الفرق:
- انتحال الوظيفة جريمة تقوم ولو لم يُسلَّم أي مال، متى باشر الجاني عملاً من أعمال الوظيفة أو دخل مكاناً مقصوراً عليها.
- النصب لا يكتمل إلا بتسليم المال نتيجة الغلط الذي أوقع فيه الجاني المجني عليه، وانتحال الصفة فيه مجرد وسيلة.
فالمتصل الذي يدّعي أنه موظف في جهة رسمية ويطلب تحويل مبلغ لإنهاء «قضية» يواجه في الغالب اتهاماً بالنصب، وقد يضاف إليه انتحال الوظيفة إن باشر عملاً من أعمالها، وإن كانت الوسيلة إلكترونية دخلت أحكام الاحتيال الإلكتروني كذلك.
ماذا يفعل المجني عليه؟ خطوات عملية
- لا تسلّم بيانات ولا مالاً: الجهات الرسمية لا تطلب تحويل مبالغ عبر روابط أو حسابات شخصية لإنهاء قضية أو معاملة.
- احفظ الدليل فوراً: لقطات الشاشة للمحادثات، وأرقام الهواتف، وإيصالات التحويل، وأسماء الحسابات المستفيدة، وأي صورة لبطاقة أو شارة عرضها الشخص.
- بادر بالبلاغ: تقدّم ببلاغ إلى المخفر المختص أو الجهة المعنية بالجرائم الإلكترونية بحسب الوسيلة المستعملة، واطلب من البنك تجميد التحويل إن كان حديثاً.
- إذا استُعملت شخصيتك: بادر بإخطار الجهة التي تم الإقرار أو الصرف أمامها، واطلب الاطلاع على المحرر المنسوب إليك، ثم اتخذ إجراءات الطعن عليه إلى جانب الشكوى الجزائية.
- المطالبة بالتعويض: يحق للمتضرر الادعاء مدنياً أمام المحكمة الجزائية أو رفع دعوى مستقلة للتعويض عما لحقه من ضرر.
ماذا يفعل المتهم؟ أهم أوجه الدفاع
- انتفاء الركن المادي: مجرد قول الشخص إنه «يعمل في جهة حكومية» دون مباشرة عمل من اختصاص الوظيفة أو دخول مكان مقصور عليها لا يكفي لقيام جريمة المادة 126.
- انتفاء القصد في جريمة الزي: إثبات أن ارتداء الزي كان لغرض مشروع أو عارض، كعمل فني أو مناسبة، يخفف التكييف إلى الصورة البسيطة.
- الصفة الحقيقية: إذا كان المتهم موظفاً فعلاً لكنه تجاوز اختصاصه، فالواقعة قد تُكيف مخالفة وظيفية أو جريمة أخرى، لا انتحالاً.
- إثبات الهوية: في انتحال الشخصية يدور النزاع غالباً حول من حضر فعلاً أمام الجهة، فتكون الكاميرات وسجلات الدخول والبصمة والتوقيع أدلة حاسمة.
ويستحق كل من المجني عليه والمتهم الاستعانة بمحامٍ منذ مرحلة التحقيق، لأن التكييف الذي يبدأ به الاتهام يرسم مسار القضية كلها. ولمزيد من الأحكام العامة راجع نص قانون الجزاء.
الأسئلة الشائعة
هل يعاقب من ادعى أنه موظف حكومي ولم يأخذ شيئاً؟
نعم إذا قام بناء على الصفة الكاذبة بعمل يدخل في اختصاص تلك الوظيفة أو دخل مكاناً مقصوراً على شاغلها، ولو لم يحصل على مال. أما الادعاء المجرد دون أي عمل فلا تقوم به جريمة انتحال الوظيفة، وإن كان قد يدخل في جرائم أخرى بحسب الظروف.
ما الفرق بين انتحال الصفة وانتحال الشخصية؟
انتحال الصفة يعني ادعاء وظيفة أو صفة عامة لا يملكها الشخص، أما انتحال الشخصية فهو الظهور باسم إنسان محدد آخر للاستيلاء على مال مستحق له أو للإقرار عنه بالتزام.
من اتصل بي مدعياً أنه من جهة رسمية وحوّلت له مبلغاً، ما الجريمة؟
الوصف الغالب هو النصب لأن المال سُلّم نتيجة صفة كاذبة، وقد يقترن بانتحال الوظيفة. المهم هو سرعة البلاغ وحفظ إيصالات التحويل وأرقام الحسابات لتتبع المبلغ.
هل يجوز المطالبة بالتعويض إلى جانب العقوبة؟
نعم، يجوز للمتضرر الادعاء مدنياً أمام المحكمة الجزائية أو رفع دعوى تعويض مستقلة عن الضرر المادي والأدبي.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة لأغراض التوعية ولا تغني عن استشارة قانونية في وقائع قضيتك. لدراسة حالتك يمكنك حجز استشارة مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي أو الاتصال على +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
