يجد الإنسان نفسه أحياناً أمام أمر عاجل يخص غيره، فيتدخل دون تكليف: جارٌ يصلح تسرباً في شقة جاره المسافر، أو قريب يسدد رسماً قبل أن يسقط حق شخص غائب، أو شريك يبادر إلى إنقاذ بضاعة مهددة بالتلف. فهل يستحق هذا المتدخل أن يسترد ما أنفقه؟ وهل يتحمل المسؤولية إذا أخطأ؟ يجيب القانون المدني الكويتي عن ذلك بنظام «الفضالة»، وهو مصدر من مصادر الالتزام يقوم على واقعة نافعة لا على عقد ولا على فعل ضار. يشرح هذا المقال شروط الفضالة، وحقوق الفضولي والتزاماته، وموقف صاحب الشأن، وسقوط الدعوى.
تعريف الفضالة وشروطها
تنص المادة 269 على أن «الفضالة هي أن يتولى شخص عن قصد القيام بأمر عاجل لحساب شخص آخر، دون أن يكون ملزما بذلك». ويسمى المتدخل «الفضولي» وصاحب الشأن «رب العمل». ويتضح من النص أن الفضالة تقوم بثلاثة شروط:
- قصد التدخل لحساب الغير: فمن يتصرف في مال غيره معتقداً أنه ماله لا يعد فضولياً، وإنما قد يخضع لأحكام أخرى كأحكام غير المستحق أو الإثراء.
- أمر عاجل: أي ما يخشى فواته أو ضرره إن انتظر صاحبه، لا مجرد أمر مفيد يمكن تأجيله.
- أن يكون الفضولي غير ملزم بذلك: فإن كان وكيلاً أو ملزماً بنص أو بعقد فالحكم للوكالة أو للعقد.
وتضيف المادة 269 صورة مهمة: تتحقق الفضالة ولو كان الفضولي أثناء توليه شأن نفسه قد تولى شأن غيره، «لما بين الشأنين من ترابط لا يمكن معه القيام بأحدهما منفصلا عن الآخر». ومثالها شريك في ملكية مشتركة يصلح جزءاً مشتركاً من البناء، فلا يمكن إصلاح حصته دون إصلاح حصة شريكه.
التزامات الفضولي
الفضالة تدخل في شأن غيره، ولذلك فرض القانون على الفضولي التزامات تحمي صاحب الشأن:
الاستمرار والإخطار
توجب المادة 271 على الفضولي أن يمضي في العمل الذي بدأه «إلى أن يتمكن رب العمل من أن يتولاه بنفسه»، وأن يبادر بإخطار رب العمل بتدخله عندما يتيسر له ذلك. فلا يجوز أن يبدأ ثم يترك العمل في منتصفه فيزيد الضرر.
بذل عناية الشخص العادي
تقرر المادة 272 أن الفضولي يلتزم ببذل عناية الشخص العادي في القيام بالعمل، فإن قصر التزم بتعويض الضرر الناجم عن خطئه. ومع ذلك يجوز للقاضي أن ينقص التعويض أو يعفيه منه إذا كانت الظروف تبرر ذلك، وهي رخصة تراعي أن الفضولي تدخل متطوعاً في ظرف عاجل. فإن عهد بالعمل كله أو بعضه إلى غيره كان مسؤولاً عن أعماله أمام رب العمل، مع بقاء حق رب العمل في الرجوع مباشرة على ذلك الغير (المادة 273).
رد ما أخذه وتقديم حساب
تقضي المادة 274 بأن يرد الفضولي إلى رب العمل كل ما أخذه بسبب الفضالة، وأن يقدم له حساباً عما قام به على نحو ما يلتزم به الوكيل قبل الموكل. فعليه الاحتفاظ بالإيصالات وبيان المصروفات.
موقف رب العمل وحقوق الفضولي
إذا أقر رب العمل ما قام به الفضولي «سرت قواعد الوكالة» كما تنص المادة 270، فيصير التصرف كأنه صدر بتوكيل، ويقوم الإقرار مقام الإذن. ولكن حقوق الفضولي لا تتوقف على الإقرار. فالمادة 276 تعتبر الفضولي نائباً عن رب العمل إذا بذل في القيام بالعمل عناية الشخص العادي ولو لم تتحقق النتيجة المرجوة. وفي هذه الحالة يلتزم رب العمل بأربعة أمور:
- أن ينفذ التعهدات التي عقدها الفضولي لحسابه.
- أن يعوضه عن التعهدات التي التزم بها.
- أن يرد له النفقات الضرورية والنافعة التي سوّغتها الظروف.
- أن يعوضه عن الضرر الذي لحقه بسبب قيامه بالعمل.
والأمر المهم أن النتيجة غير مشترطة: فمن بذل عناية الشخص العادي استحق ما أنفق ولو فشلت محاولته. غير أن الفضولي «ولا يستحق الفضولي أجرا عن عمله، إلا أن يكون من أعمال مهنته»، فالجار الذي أصلح بنفسه عطلاً لا يطالب بأجر عمله، بينما السباك الذي تدخل بحكم مهنته له أن يطالب بأجر مثله.
حالات خاصة: الأهلية والوفاة
إذا لم تتوافر في الفضولي أهلية التعاقد، كأن يكون قاصراً، فلا يكون مسؤولاً عن قيامه بالعمل إلا في حدود ما أثرى به، ما لم تكن مسؤوليته ناشئة عن عمل غير مشروع (المادة 277). أما الوفاة فلا تنهي الالتزامات: فإذا مات الفضولي التزم ورثته إزاء رب العمل بما يلتزم به ورثة الوكيل إزاء موكله، وإذا مات رب العمل بقي الفضولي ملتزماً نحو ورثته (المادة 275).
الفضالة والوكالة والإثراء بلا سبب
تلتبس الفضالة بنظامين قريبين. الوكالة تقوم على تفويض مسبق من صاحب الشأن، أما الفضالة فتقوم دون تفويض، وإن صارت تخضع لقواعد الوكالة بإقرار رب العمل. أما الإثراء بلا سبب فلا يقوم على قصد التدخل لحساب الغير، ويقف الالتزام فيه عند حدود ما أثرى به المدين، كما تنص المادة 262. ويقدّم نظام الفضالة حماية أوسع للفضولي المحسن إذ يسترد النفقات الضرورية والنافعة. وللاستزادة في الموضوع يمكن مراجعة دليل المطالبات المالية والتعويض وكذلك دليل العقود والشركات لفهم أحكام الوكالة العامة.
وتمتد الفضالة إلى النزاعات العملية بين الجيران والشركاء والورثة، كإنفاق وارث على ترميم عقار التركة قبل القسمة ثم مطالبته بحصص بقية الورثة. وقد يتطلب الأمر إثبات الحاجة العاجلة للتدخل وبيان المصروفات بالفواتير، ومن هنا ضرورة التوثيق منذ اللحظة الأولى.
وعند التقاضي يقع على الفضولي عبء إثبات أركان الفضالة إذا طالب برد نفقاته: أن الأمر كان عاجلاً، وأنه تدخل لحساب غيره، وأنه بذل عناية الشخص العادي، ومقدار ما أنفق. ويجوز الإثبات بالفواتير والمراسلات وشهادة الشهود وتقارير الخبراء الفنيين عند الحاجة، وكلما أخطر رب العمل مبكراً وأبقى له أثراً مكتوباً كان موقفه أقوى. وفي المقابل يستطيع رب العمل أن ينازع في عجلة الأمر أو في ضرورة النفقة أو في عناية الفضولي، وأن يطلب خفض المبلغ إلى ما سوّغته الظروف فعلاً.
سقوط دعوى الفضالة بمرور الزمن
وضع القانون مدة لسقوط الدعوى، فتنص المادة 278 على أن «تسقط دعوى الفضالة بانقضاء ثلاث سنوات من يوم العلم بنشوء الحق أو بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي ينشأ فيه، أي المدتين أقرب». فمن أنفق في شأن غيره وجب عليه أن يطالب خلال المدة، وإلا سقط حقه في الدعوى. وتحسب المدة القصيرة من يوم علم صاحب الحق بنشوئه، والطويلة من يوم نشوئه ولو لم يعلم، والأقرب منهما هو الذي يعتد به.
الأسئلة الشائعة
هل يحق لي استرداد ما أنفقته على عقار جاري أثناء سفره؟
إذا كان الأمر عاجلاً وتدخلت بقصد القيام به لحساب جارك وبذلت عناية الشخص العادي، استحققت استرداد النفقات الضرورية والنافعة التي سوّغتها الظروف، ويلزم إثباتها بالفواتير وبيان الحاجة العاجلة.
هل يستحق الفضولي أجراً على جهده؟
لا، إلا إذا كان العمل من أعمال مهنته كما تنص المادة 276.
ماذا لو أخطأ الفضولي وسبّب ضرراً؟
يلتزم بتعويض الضرر الناجم عن خطئه إذا قصّر في بذل عناية الشخص العادي، وللقاضي أن ينقص التعويض أو يعفيه منه إذا كانت الظروف تبرر ذلك.
ما مدة رفع دعوى الفضالة؟
تسقط الدعوى بمرور ثلاث سنوات من يوم العلم بنشوء الحق أو خمس عشرة سنة من يوم نشوئه، أي المدتين أقرب.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وللتثقيف القانوني، ولا تغني عن استشارة قانونية تراعي وقائع قضيتك. وإن كنت قد أنفقت في شأن يخص غيرك وتريد استرداده، أو طولبت بتعويض عن تدخل قمت به، فيمكنك التواصل مع مكتبنا عبر صفحة حجز الموعد أو الاتصال على +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
