الشهادة من أهم أدلة الإثبات أمام المحاكم، ولذلك عامل قانون الجزاء الكويتي الكذب فيها معاملة الجريمة التي تمس سير العدالة ذاتها، لا مجرد خطأ أخلاقي. فالشاهد الذي يكذب بعد أن يقسم اليمين قد يتسبب في إدانة بريء أو تبرئة مذنب أو ضياع حق مالي. في هذا المقال نشرح أركان جريمة شهادة الزور كما وردت في قانون الجزاء، والعقوبات المنصوص عليها، ومن يُعد في حكم الشاهد، والفرق بينها وبين جرائم قريبة منها، وكيف يتصرف من تضرر من شهادة كاذبة.
تعريف شهادة الزور في قانون الجزاء الكويتي
تنص المادة 136 من قانون الجزاء على أن: «كل شخص كلف باداء الشهادة امام احدى الجهات القضائية واقسم اليمين، ثم ادلى ببيانات كاذبة وهو يعلم عدم صحتها، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز 2250 دينار او باحدى هاتين العقوبتين».
ومن هذا النص تتضح أركان الجريمة:
- التكليف بالشهادة أمام جهة قضائية: أي أن يُستدعى الشخص شاهداً أمام المحكمة أو جهة التحقيق القضائية.
- حلف اليمين: فالنص يشترط أن يكون الشاهد قد أقسم اليمين قبل الإدلاء بأقواله.
- الإدلاء ببيانات كاذبة: سواء بإثبات واقعة لم تحدث، أو إنكار واقعة حدثت، أو تحريف تفاصيل جوهرية.
- العلم بعدم الصحة: وهو القصد الجنائي. فالشاهد الذي يخطئ بحسن نية بسبب النسيان أو سوء التقدير لا يُعد شاهد زور، لأن القانون اشترط أن يكون عالماً بكذب ما يقوله.
الخبير والمترجم في حكم الشاهد
لم يقصر القانون الجريمة على الشاهد بمعناه الضيق، فقد أضافت المادة ذاتها: «ويعد في حكم الشاهد زورا كل شخص يكلفه القضاء بعمل من اعمال الخبرة او الترجمة، فيغير الحقيقة عمدا بأية طريقة كانت».
وهذا حكم مهم عملياً، لأن تقارير الخبراء والترجمة المعتمدة كثيراً ما تكون حاسمة في القضايا المدنية والتجارية والجزائية. فإذا غيّر الخبير المنتدب من المحكمة الحقيقة في تقريره عمداً، أو حرّف المترجم مضمون مستند أو أقوال عمداً، دخل فعله في نطاق شهادة الزور. أما الخطأ الفني أو الاجتهاد في التقدير فيُواجَه بالاعتراض على التقرير وطلب إعادة المأمورية، لا بالبلاغ الجزائي.
العقوبة المشددة إذا ترتب على الشهادة حكم بالإدانة
شدد القانون العقوبة بحسب النتيجة التي أدت إليها الشهادة الكاذبة، فنصت المادة 137 على أنه: «اذا ترتب على شهادة الزور الحكم على متهم بالحبس، عوقب من شهد عليه زورا بالحبس مدة لا تجاوز سبع سنوات وبغرامة لا تجاوز 525 دينار او باحدى هاتين العقوبتين».
وأكملت المادة ذاتها بحكم أشد: «اما اذا ترتب على شهادة الزور الحكم على متهم بالاعدام ونفذت فيه العقوبة، عوقب من شهد عليه زورا بالاعدام او بالحبس المؤبد».
ويعكس هذا التدرج فلسفة المشرّع: كلما كان الضرر الذي أحدثته الشهادة الكاذبة بحق المتهم أجسم، كانت العقوبة أشد.
إكراه الشاهد والشهادة أمام جهات غير قضائية
لا تقتصر المسؤولية على الشاهد نفسه، فالمادة 138 تنص على أن: «كل من اكره شاهداً على عدم اداء الشهادة، او اكرهه على اداء الشهادة زورا، يحكم عليه بحسب الاحوال، بالعقوبات المقررة في المادتين السابقتين».
فمن يهدد شاهداً ليمتنع عن الشهادة أو ليشهد كذباً يعاقب بعقوبة شهادة الزور ذاتها بحسب الأحوال. وهذا يشمل الضغط على العمال أو الأقارب أو الموظفين ليدلوا بأقوال معينة.
كما جرّم القانون الكذب بعد اليمين أمام جهات غير قضائية، إذ تنص المادة 139 على أن: «كل شخص كلف باداء الشهادة امام جهة غير قضائية وأقسم يمينا بالتزام الحقيقة، فأدلى ببيانات كاذبة وهو يعلم عدم صحتها، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة وبغرامة لا تجاوز 75 دينار او باحدى هاتين العقوبتين».
ويشمل ذلك بحسب الأحوال لجان التحقيق الإدارية وغيرها من الجهات التي تستمع إلى الأقوال بعد يمين بالتزام الحقيقة.
الامتناع عن الحضور للشهادة
الشاهد الذي يُكلَّف بالحضور ثم يتغيب دون عذر لا يرتكب شهادة زور، لكنه يرتكب جريمة مستقلة. فالمادة 140 تنص على أن: «كل شخص كلف باداء الشهادة امام القضاء، فامتنع بغير عذر مقبول عن الحضور، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ستة شهور وبغرامة لا تجاوز سبعة وثلاثون دينارا وخمسمائة فلس او بأحدى هاتين العقوبتين».
لذلك إذا وصلك تكليف بالحضور للشهادة وكان لديك عذر كالمرض أو السفر، فقدّم ما يثبته إلى المحكمة، ولا تتجاهل التكليف. ويمكنك الاطلاع على حقوق الشاهد وموانع الشهادة في مقالنا عن شهادة الشهود في الكويت.
الفرق بين شهادة الزور والبلاغ الكاذب
يخلط كثيرون بين الجريمتين. شهادة الزور تقع من شاهد مكلف بالشهادة أمام جهة قضائية بعد حلف اليمين. أما البلاغ الكاذب فيقع ممن يتقدم من تلقاء نفسه ببلاغ إلى الجهات المختصة يسند فيه إلى شخص واقعة تستوجب العقاب وهو يعلم أنها لم تصدر منه، وقد نظمته المادة 145 من قانون الجزاء. وقد يجتمع الأمران في قضية واحدة، كأن يقدم شخص بلاغاً كاذباً ثم يدلي بأقوال كاذبة أمام المحكمة. ولمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى مقالنا عن البلاغ الكاذب والدعوى الكيدية.
كيف تتصرف إذا تضررت من شهادة زور؟
- أثناء نظر الدعوى: ناقش الشاهد في تفاصيل أقواله، وقدّم ما يناقضها من مستندات أو رسائل أو تسجيلات مشروعة أو شهود آخرين، واطلب إثبات التناقض في محضر الجلسة.
- إثبات العلم بالكذب: لا يكفي أن تكون الشهادة غير صحيحة؛ يجب إثبات أن الشاهد كان يعلم بعدم صحتها. والتناقض الجوهري مع أقوال سابقة له، أو مع مستندات قاطعة، من أقوى القرائن.
- تقديم البلاغ: يُقدَّم البلاغ عن شهادة الزور إلى جهة التحقيق المختصة مع صور من محاضر الجلسات والأدلة المناقضة.
- أثر ثبوت التزوير على الحكم: ثبوت شهادة الزور بحكم قد يفتح طريق الطعن في الحكم الذي بُني عليها، ومن ذلك التماس إعادة النظر في الأحوال التي يحددها القانون.
- التعويض: لمن أصابه ضرر من الجريمة أن يطالب بالتعويض، سواء بالادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية أو بدعوى مدنية مستقلة.
ويمكن الاطلاع على نصوص الباب كاملاً في صفحة قانون الجزاء الكويتي.
الأسئلة الشائعة
هل يُعد الشاهد الذي أخطأ في تاريخ أو تفصيل شاهد زور؟
لا، ما دام الخطأ بحسن نية. القانون يشترط أن يدلي الشاهد ببيانات كاذبة وهو يعلم عدم صحتها، فالنسيان أو الخطأ في التقدير لا يكفي لقيام الجريمة.
هل تقع جريمة شهادة الزور إذا لم يحلف الشاهد اليمين؟
نص المادة 136 يشترط أن يكون الشاهد قد أقسم اليمين أمام الجهة القضائية. ولذلك فإن الأقوال التي تُسمع على سبيل الاستدلال دون يمين لا تدخل في هذا النص، وإن جاز أن تقع تحت نصوص أخرى بحسب الأحوال.
هل يُعاقب الخبير المنتدب من المحكمة إذا غيّر الحقيقة في تقريره؟
نعم، فالقانون عدّ في حكم الشاهد زوراً كل من يكلفه القضاء بعمل من أعمال الخبرة أو الترجمة فيغير الحقيقة عمداً.
ماذا يحدث لمن يهدد شاهداً ليغير أقواله؟
يعاقب بالعقوبات المقررة لشهادة الزور بحسب الأحوال، سواء أكره الشاهد على الامتناع عن الشهادة أو على الشهادة كذباً.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية في وقائع قضيتك. إذا كنت متضرراً من شهادة كاذبة أو مستدعى للشهادة وتحتاج إلى معرفة حقوقك، تواصل مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي عبر نموذج حجز الاستشارة أو على الرقم +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
