عندما يقف شخص أمام المحكمة لأول مرة في قضية بسيطة، يكون أكثر ما يخشاه أن يصدر ضده حكم يلاحقه في عمله وسفره وسمعته. وقد أعطى قانون الجزاء الكويتي للمحكمة أداة تراعي هذه الحالات، هي «الامتناع عن النطق بالعقاب»، وتعني أن تثبت المحكمة الواقعة لكنها لا تحكم بعقوبة، وتكتفي بتعهد من المتهم بحسن السلوك مدة محددة. ويخلط كثيرون بين هذا النظام ووقف تنفيذ العقوبة، مع أن الفرق بينهما كبير في الأثر. في هذا المقال نشرح النص القانوني، وشروط تطبيقه، وما يترتب على الالتزام بالتعهد أو الإخلال به، وكيف يطلبه الدفاع عملياً.
النص القانوني للامتناع عن النطق بالعقاب
ورد هذا النظام في المادة 81 من قانون الجزاء، ونصها: «إذا اتهم شخص بجريمة تستوجب الحكم بالحبس، جاز للمحكمة إذا رأت من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها جريمته أو تفاهة هذه الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى الإجرام، أن تقرر الامتناع عن النطق بالعقاب، وتكلف المتهم تقديم تعهد بكفالة شخصية أو عينية أو بغير كفالة، يلتزم فيه مراعاة شروط معينة والمحافظة على حسن السلوك المدة التي تحددها على ألا تجاوز سنتين».
وأضافت المادة أن للمحكمة أن تقرر وضع المتهم خلال هذه المدة تحت رقابة شخص تعينه، ولها أن تغير هذا الشخص بناء على طلبه بعد إخطار المتهم.
شروط تطبيقه
يتضح من النص أن الامتناع عن النطق بالعقاب رخصة للمحكمة وليس حقاً للمتهم، ويشترط لتطبيقه:
- أن تكون الجريمة مما يستوجب الحكم بالحبس: فالنص يتعلق بالجرائم التي يكون الحبس من عقوباتها، ويعود التقدير للمحكمة بحسب جسامة الواقعة.
- أن تقتنع المحكمة بأن المتهم لن يعود إلى الإجرام: وتستمد ذلك من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو ظروف الجريمة أو تفاهتها. فخلو السجل من السوابق، وصغر السن، والظروف العارضة التي وقعت فيها الواقعة، كلها عناصر يعتد بها.
- أن يقدم المتهم تعهداً: بكفالة شخصية أو عينية أو بغير كفالة، يلتزم فيه بشروط تحددها المحكمة وبحسن السلوك.
- ألا تتجاوز مدة التعهد سنتين: والمحكمة هي التي تحدد المدة في هذا الحد.
أثر انقضاء المدة دون إخلال
هذه هي القيمة الحقيقية لهذا النظام. فقد نصت المادة 81 على أنه: «وإذا انقضت المدة التي حددتها المحكمة دون أن يخل المتهم بشروط التعهد، اعتبرت إجراءات المحاكمة السابقة كأن لم تكن».
أي أن المتهم لا يصدر ضده حكم بعقوبة أصلاً، وإذا التزم بالتعهد طوال المدة زالت إجراءات المحاكمة نفسها. ولهذا يُعد الامتناع عن النطق بالعقاب من أفضل ما يمكن أن ينتهي إليه الدفاع إذا تعذرت البراءة، خاصة لمن يعمل في وظيفة تتأثر بالأحكام الجزائية.
أثر الإخلال بشروط التعهد
إذا لم يلتزم المتهم بالتعهد تعود المحاكمة إلى مسارها. وقد نصت المادة على أنه: «أما إذا أخل المتهم بشروط التعهد، فإن المحكمة تأمر – بناء على طلب سلطة الاتهام أو الشخص المتولي رقابته أو المجني عليه – بالمضي في المحاكمة، وتقضي عليه بالعقوبة عن الجريمة التي ارتكبها ومصادرة الكفالة العينية إن وجدت».
فالإخلال لا يؤدي تلقائياً إلى العقوبة، بل يحتاج إلى طلب من سلطة الاتهام أو المراقب أو المجني عليه، ثم تعود المحكمة لتقضي بالعقوبة عن الجريمة الأصلية. ولذلك يجب على المتهم أن يعرف شروط التعهد بدقة، وأن يحتفظ بما يثبت التزامه بها.
الفرق بينه وبين وقف تنفيذ العقوبة
نظمت المادة 82 من قانون الجزاء وقف التنفيذ، ونصت على أنه: «يجوز للمحكمة إذا قضت بحبس المتهم مدة لا تجاوز سنتين أو بالغرامة، أن تأمر بوقف تنفيذ الحكم». والفروق الجوهرية بين النظامين:
- وجود الحكم: في وقف التنفيذ تحكم المحكمة بالعقوبة ثم توقف تنفيذها، أما في الامتناع عن النطق بالعقاب فلا يصدر حكم بعقوبة.
- المدة: مدة التعهد في الامتناع تحددها المحكمة بما لا يجاوز سنتين، أما وقف التنفيذ فيصدر لمدة ثلاث سنوات تبدأ من يوم صيرورة الحكم نهائياً كما في نص المادة 82.
- الأثر النهائي: عند نجاح المدة في الامتناع تُعتبر إجراءات المحاكمة كأن لم تكن، وفي وقف التنفيذ يُعتبر الحكم الصادر بالعقاب كأن لم يكن.
وللتفصيل في وقف التنفيذ وحالات إلغائه راجع مقال وقف تنفيذ العقوبة في الكويت، وللاطلاع على النصوص كاملة راجع قانون الجزاء الكويتي.
كيف يطلب الدفاع الامتناع عن النطق بالعقاب؟
- التمسك بالدفوع الموضوعية أولاً: الطلب لا يعني التسليم بالاتهام، فيمكن طلب البراءة أصلياً والامتناع عن النطق بالعقاب احتياطياً.
- إثبات حسن السيرة: شهادة خلو السوابق، وما يثبت العمل أو الدراسة، وظروف المتهم الأسرية.
- بيان ظروف الواقعة: كونها عارضة أو بسيطة الأثر، أو وقعت في ظرف انفعالي، أو أن الضرر أُصلح.
- تقديم ما يفيد الصلح أو التعويض: إصلاح الضرر أو التصالح مع المجني عليه يعزز اقتناع المحكمة بأن المتهم لن يعود.
- الاستعداد للتعهد: قد تطلب المحكمة كفالة أو كفيلاً، فيجب التحضير لذلك مسبقاً.
ومن الأخطاء الشائعة أن يعترف المتهم بالتهمة ظناً أن ذلك يضمن الامتناع عن العقاب، مع أن القرار تقديري للمحكمة، أو أن يستهين بشروط التعهد بعد صدور القرار. ولمعرفة مراحل القضية الجزائية عموماً راجع دليل الدعوى الجزائية في الكويت.
الأسئلة الشائعة
هل الامتناع عن النطق بالعقاب يعني البراءة؟
لا، فالبراءة تعني عدم ثبوت التهمة، أما الامتناع عن النطق بالعقاب فيفترض ثبوت الواقعة مع امتناع المحكمة عن الحكم بالعقوبة. لكن إذا انقضت مدة التعهد دون إخلال اعتُبرت إجراءات المحاكمة كأن لم تكن.
ما أقصى مدة للتعهد؟
لا تجاوز سنتين بحسب نص المادة 81 من قانون الجزاء، والمحكمة هي التي تحددها في هذا الحد.
هل يمكن أن يُعاقب المتهم بعد قرار الامتناع؟
نعم، إذا أخل بشروط التعهد، فللمحكمة بناء على طلب سلطة الاتهام أو المراقب أو المجني عليه أن تمضي في المحاكمة وتقضي بالعقوبة وتصادر الكفالة العينية إن وجدت.
أيهما أفضل للمتهم: الامتناع عن النطق بالعقاب أم وقف التنفيذ؟
الامتناع عن النطق بالعقاب أفضل في الغالب، لأنه لا يتضمن حكماً بعقوبة، ومدته لا تجاوز سنتين، بينما وقف التنفيذ يفترض صدور حكم بالعقوبة.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية في وقائع قضيتك. لإعداد دفاع يطلب البراءة أو الامتناع عن النطق بالعقاب في قضية جزائية، تواصل مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي عبر نموذج حجز الاستشارة أو على الرقم +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
