مسؤولية الناقل الجوي عن الإخلال بعقد النقل: قضية تولّاها مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي عن المسافرين أمام محكمة التمييز
رحلة عائلية إلى لندن تحوّلت إلى سلسلة من التعطّل والانتظار والعودة من حيث بدأت. وحين حاولت شركة الطيران التنصّل من مسؤوليتها بذريعة القوة القاهرة، حسمت محكمة التمييز المسألة بمبدأ دقيق: العبرة بسبب الدعوى الحقيقي لا بما تصوّره الخصم. وقد تولّى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي متابعة القضية عن المسافرين حتى صدور حكم التمييز لصالحهم.
أولًا: وقائع القضية
حجز المسافرون — أسرة كاملة — تذاكر على إحدى شركات الطيران للسفر من الكويت إلى لندن مرورًا بمطار العبور. وعلى إثر تأخّر إقلاع الرحلة الأولى من الكويت، فاتتهم رحلتهم المتّجهة إلى لندن، فرتّبت الشركة لهم رحلة بديلة من مطار العبور.
غير أنهم بعد أن صعدوا إلى الطائرة البديلة ومكثوا فيها أربع ساعات دون إقلاع، أُنزلوا منها مع باقي الركاب، ولم تدبّر الشركة لهم رحلة أخرى إلى وجهتهم في اليوم نفسه بسبب تزاحم المواعيد، فاضطروا إلى العودة إلى الكويت دون إتمام رحلتهم. وإذ رفضت الشركة جبر ما لحقهم من أضرار — قيمة التذاكر، وثمن الإقامة المدفوع مسبقًا في لندن، ومصاريف الانتظار، فضلًا عن الألم النفسي — أقاموا دعواهم بالتعويض.
قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى، وأيّدتها محكمة الاستئناف، تأسيسًا على أن إغلاق مطار العبور قوة قاهرة تنتفي بها مسؤولية الشركة عن التأخير. فطعن المسافرون على هذا الحكم بالتمييز.
ثانيًا: الجانب القانوني
1. سبب الدعوى وعدم جواز تغييره
جوهر القضية أن سبب الدعوى هو الواقعة التي يستمد منها المدّعي حقه في الطلب، ولا يتغيّر بتغيّر الأدلة والحجج القانونية. والمحكمة ملزمة بطلبات الخصوم دون الخروج عليها، ولا تملك تغيير سبب الدعوى. وقد بنى المسافرون دعواهم لا على تأخّر الرحلة الأولى من الكويت — التي وصلوا بها فعلًا إلى مطار العبور — بل على عدم إقلاع الرحلة البديلة إلى لندن بعد أن مكثوا في الطائرة أربع ساعات ثم أُنزلوا منها دون تدبير بديل.
2. الخلط بين واقعتين وأثره على الحكم
الخطأ الذي وقع فيه الحكم المطعون فيه أنه أسّس قضاءه على القوة القاهرة المتمثلة في إغلاق مطار العبور، أي على واقعة التأخير في النقل إلى ذلك المطار — وهي ليست الواقعة التي بُنيت عليها الدعوى. وبذلك يكون الحكم قد غيّر سبب الدعوى وقضى على خلاف الثابت بالأوراق، وحجب نفسه عن بحث الواقعة الحقيقية التي أقيمت عليها.
3. حدود سلطة المحكمة إزاء تقرير الخبير
لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية في الأخذ بتقرير الخبير أو إطراحه، لكن متى كان التقرير مبنيًّا على حجج تؤيدها الأدلة والقرائن الثابتة بالأوراق، وأرادت المحكمة أن تنتهي إلى نتيجة مخالفة، وجب عليها أن تردّ في أسباب حكمها على ما جاء بالتقرير من حجج، وأن تقيم قضاءها على أدلة سائغة تؤدي عقلًا إلى نتيجتها. وقد انتهى خبير الدعوى إلى ثبوت خطأ الشركة من واقع استلام المسافرين لبطاقات صعود الرحلة البديلة، وهو ما التفت عنه الحكم دون ردّ سائغ.
4. مسؤولية الناقل وتقدير التعويض
ثبت من الأوراق ومن تقرير الخبير أن الشركة أخلّت بالتزامها بموجب عقد النقل ولم تنقل المسافرين إلى وجهتهم النهائية، دون أن تعترض على أقوالهم ومستنداتهم. ومن ثم قامت مسؤوليتها عن الأضرار المادية الثابتة بالمستندات، فضلًا عن الأضرار الأدبية المتمثلة في الحزن والأسى لتفويت الرحلة والعودة دون إتمامها.
ثالثًا: حكم المحكمة
انتهت محكمة التمييز إلى ما يلي:
- تمييز الحكم المطعون فيه لتغييره سبب الدعوى وقضائه على خلاف الثابت بالأوراق.
- إلغاء الحكم المستأنف، وإلزام الشركة بأن تؤدي للمسافرين مبلغ 4157.560 د.ك عن الأضرار المادية.
- إلزامها بمبلغ خمسمائة دينار عن الأضرار الأدبية، مع أتعاب المحاماة الفعلية.
وبذلك استقرّ حق المسافرين في التعويض عن إخلال الناقل الجوي بعقد النقل، بعد أن رُدّت ذريعة القوة القاهرة التي لا تنطبق على الواقعة الحقيقية للدعوى.
الخلاصة
ترسّخ هذه القضية مبدأين جوهريين: أن الناقل الجوي مسؤول عن إخلاله بعقد النقل ما لم تقم قوة قاهرة تتّصل بالواقعة محل المساءلة تحديدًا، وأن المحكمة ملزمة بالفصل في الدعوى على أساس سببها الحقيقي دون أن تستبدل به واقعة أخرى. وهي من القضايا التي تولّاها مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي دفاعًا عن حقوق المسافرين، وصولًا إلى تثبيت حقهم في التعويض أمام أعلى درجات التقاضي.