جريمة الرشوة في القانون الكويتي — الراشي والمرتشي والوسيط والإعفاء بالإبلاغ

⏱ 7 دقائق قراءة

الرشوة من أخطر الجرائم الماسة بالوظيفة العامة، لأنها تحوّل الخدمة التي يجب أن تُقدَّم للناس بحكم القانون إلى سلعة تُشترى. ويخطئ كثيرون حين يظنون أن الجريمة لا تقع إلا بتسليم مبلغ نقدي في ظرف مغلق، فالقانون الكويتي يجرّم مجرد الطلب أو القبول أو الوعد، ويعاقب الراشي والوسيط كما يعاقب الموظف، ويمتد بمفهوم «الموظف العام» إلى فئات لا يتوقعها الناس. في هذا المقال نشرح أركان جريمة الرشوة وصورها كما نظمها القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، ومتى يُعفى الراشي من العقوبة، وما الذي يجب أن يفعله من طُلبت منه رشوة أو وُجّه إليه اتهام بها.

متى تقع جريمة الرشوة؟ الأركان الأساسية

تقوم جريمة الرشوة على ثلاثة عناصر: صفة خاصة في الجاني، وفعل مادي، وقصد جنائي. وقد عرّف النص صورتها الأساسية بأنها جريمة «كل موظف عام طلب او قبل لنفسه او لغيره وعدا او عطية لاداء عمل او لامتناع عن عمل من اعمال وظيفته».

  • الصفة: أن يكون المرتشي موظفاً عاماً أو من في حكمه، على النحو الذي سنبينه.
  • الفعل المادي: الطلب أو القبول أو الأخذ. فالجريمة تتم بمجرد الطلب ولو رفض صاحب الحاجة، وتتم بالقبول ولو لم يُسلَّم شيء بعد، لأن الوعد بالعطية يكفي.
  • المقابل: أن يكون الطلب أو القبول مقابل أداء عمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه، سواء كان العمل حقاً يستحقه صاحب الشأن أصلاً أو مخالفاً للقانون.
  • القصد: علم الموظف بأن ما يطلبه أو يقبله هو ثمن للعمل الوظيفي، أي الاتجار بالوظيفة.

ولا يشترط أن يكون العمل داخلاً فعلاً في اختصاص الموظف، إذ نص القانون على أنه «يسري حكم هذه المادة ولو كان العمل المنصوص عليه في الفقرة السابقة لا يدخل في اعمال وظيفة المرتشي ولكنه زعم ذلك او اعتقده خطأ». فالموظف الذي يوهم صاحب الحاجة بأنه قادر على إنجاز معاملته مقابل مبلغ يرتكب الجريمة ولو لم يكن الملف بيده. كما تقع الجريمة ولو كان الموظف ينوي في داخله ألا يؤدي العمل الموعود به.

ما الذي يُعد «عطية»؟ المنفعة ليست مالاً فقط

يتوسع القانون في مفهوم المقابل، فقد نص على أنه «يكون من قبيل الوعد او العطية كل فائدة يحصل عليها المرتشي او الشخص الذي عينه لذلك او علم به ووافق عليه ايا كان اسمها او نوعها وسواء كانت هذه الفائدة مادية او غير مادية». ومن الأمثلة العملية:

  • المبالغ النقدية أو التحويلات البنكية، ولو باسم قريب أو صديق للموظف.
  • الهدايا العينية كالساعات والأجهزة وتذاكر السفر والإقامة الفندقية.
  • تخفيض سعر سلعة أو عقار يشتريه الموظف، أو شراء شيء منه بأكثر من قيمته.
  • توظيف قريب للموظف أو منحه عقداً أو عمولة.
  • المنافع غير المادية، كخدمة شخصية أو وساطة في أمر يخص الموظف.

ولا يغير من الحكم أن تُسلَّم العطية لشخص آخر غير الموظف ما دام الموظف قد عيّنه أو علم بذلك ووافق عليه. وهذا ما يجعل التحايل بتسجيل المنفعة باسم الزوجة أو الابن أو شركة وسيطة غير مجدٍ قانوناً.

من هو «الموظف العام» في جريمة الرشوة؟

لم يقصر القانون الجريمة على موظفي الوزارات بالمعنى الإداري الضيق، بل جعل في حكم الموظف العام في تطبيق نصوص الرشوة عدة فئات، أبرزها:

  1. الموظفون والمستخدمون والعمال في المصالح التابعة للحكومة أو الموضوعة تحت إشرافها أو رقابتها.
  2. أعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية، منتخبين كانوا أو معينين.
  3. المحكّمون والخبراء ووكلاء النيابة والمصفّون والحراس القضائيون.
  4. كل شخص مكلف بخدمة عامة.
  5. أعضاء مجالس إدارة الشركات والمؤسسات والجمعيات والمنشآت ومديروها وموظفوها ومستخدموها، إذا كانت الدولة أو إحدى الهيئات العامة تساهم في مالها بنصيب ما بأي صفة كانت.

والفئة الأخيرة بالغة الأهمية عملياً، لأن كثيراً من الشركات في الكويت تساهم فيها جهات حكومية بحصص، فيصبح موظفوها في حكم الموظف العام في هذا الشأن، ويُسأل من يدفع لهم مقابل ترسية عقد أو تمرير معاملة عن رشوة كاملة الأركان.

الراشي والوسيط واستغلال النفوذ

الرشوة جريمة ذات أطراف متعددة، والقانون لا يكتفي بمعاقبة الموظف. فقد نص صراحة على أن «يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي»، مع تخفيف العقوبة على الراشي والوسيط إذا كان العمل المطلوب حقاً لصاحب الشأن. فمن يدفع ليُنجز معاملة يستحقها أصلاً لا يفلت من العقاب، وإن كانت عقوبته أخف.

ومن صور الجريمة القريبة منها:

  • عرض الرشوة دون قبولها: من عرض على موظف عام وعداً أو عطية فرفضها الموظف يُعاقب كذلك، فالعرض المرفوض جريمة مستقلة.
  • المكافأة اللاحقة: قبول الموظف هدية بعد إتمام العمل بقصد المكافأة عليه، ولو دون اتفاق سابق، معاقب عليه بنص خاص.
  • استغلال النفوذ: يُعاقب من طلب أو قبل عطية بزعم أنها رشوة لموظف وهو ينوي الاحتفاظ بها، أو «لاستعمال نفوذ حقيقي او مزعوم للحصول او لمحاولة الحصول من اية سلطة عامة على اعمال او اوامر او احكام او قرارات». وهذه الصورة تطال «المعقّبين» والوسطاء الذين يتقاضون مبالغ بدعوى معرفتهم بمسؤولين.
  • الإكراه على الموظف: من يستعمل القوة أو التهديد مع موظف عام ليحمله على عمل غير حق يعاقب كذلك وفق أحكام قانون الجزاء.

وإذا كان الغرض من الرشوة ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون بعقوبة أشد، كتزوير مستند رسمي، فإن الأطراف يعاقبون بعقوبة ذلك الفعل الأشد مع الغرامة المقررة للرشوة.

الإعفاء من العقوبة بالإبلاغ والمصادرة

من أهم أحكام الرشوة وأكثرها أثراً في الواقع ما نص عليه القانون من أنه «في جميع الاحوال يعفى الراشي والوسيط من العقوبة اذا اخبر السلطات العامة بالجريمة ولو بعد تمامها». والحكمة من ذلك تشجيع كشف هذه الجرائم التي تقع عادة في الخفاء بين طرفين لكل منهما مصلحة في الكتمان. ويُلاحظ ما يلي:

  • الإعفاء مقرر للراشي والوسيط، لا للموظف المرتشي.
  • يجوز الإبلاغ ولو بعد تمام الجريمة، لكن المبادرة المبكرة أقوى أثراً في الإثبات وفي جدية الإعفاء.
  • الإبلاغ يكون للسلطات العامة، كالنيابة العامة أو جهات التحقيق والشرطة.

أما المصادرة فوجوبية، إذ «يحكم في جميع الاحوال بمصادرة ما يدفعه الراشي» أو الوسيط على سبيل الرشوة. وإذا أُعفي الراشي من العقوبة رُدّ إليه ما صودر مما دفعه. ويضاف إلى ذلك ما يترتب على الحكم من آثار وظيفية على الموظف المدان، كالعزل، وفقاً لأحكام قانون الجزاء وقوانين الخدمة.

ماذا تفعل إذا طُلبت منك رشوة أو اتُّهمت بها؟

إذا طلب منك موظف مقابلاً لإنجاز معاملتك:

  1. لا تدفع ولا تعد بشيء، فالوعد وحده قد يجعلك شريكاً.
  2. دوّن التاريخ والوقت والمكان واسم الموظف وجهته، وما قيل حرفياً قدر الإمكان، وأسماء الحاضرين.
  3. بادر بالإبلاغ للجهات المختصة، ويمكن أن تتولى جهات التحري ترتيب الضبط وفق الإجراءات القانونية.
  4. لا تقم بتسجيل أو «فخ» بمبادرة شخصية دون توجيه من جهة التحقيق، لأن ذلك قد يضعف الدليل أو يعرّضك للمساءلة.

إذا وُجّه إليك اتهام بالرشوة، فالدفاع يدور عادة حول: انتفاء صفة الموظف العام أو من في حكمه، وانتفاء العلاقة بين العطية والعمل الوظيفي (كأن تكون هدية اجتماعية معتادة لا صلة لها بمعاملة)، وانتفاء القصد، وصحة إجراءات الضبط والتسجيل والإذن بها، ومدى تحقق شروط الإعفاء عند المبادرة بالإبلاغ. وهذه مسائل دقيقة يحسمها الدليل وتفاصيل الواقعة، والاستعانة بمحامٍ منذ مرحلة التحقيق لها أثر حاسم. ولمزيد من التفصيل راجع نص قانون الجزاء ومقال انتحال الصفة والوظيفة العامة ومقال جرائم المال والتزوير.

الأسئلة الشائعة

هل تقع الرشوة إذا رفض صاحب المعاملة الدفع؟

نعم بالنسبة للموظف، فالجريمة تتم بمجرد الطلب. أما صاحب المعاملة الذي رفض فلا مسؤولية عليه، بل يُستحسن أن يبلغ عن الواقعة.

هل الهدية بعد إنجاز المعاملة تعتبر رشوة؟

قبول الموظف هدية بعد أداء العمل بقصد المكافأة عليه معاقب عليه بنص خاص ولو لم يسبقه اتفاق. والفيصل هو ارتباط الهدية بالعمل الوظيفي لا مجرد تسميتها هدية.

هل يعاقب من دفع ليحصل على حق يستحقه أصلاً؟

نعم، يُعاقب الراشي ولو كان العمل حقاً له، وإن كانت العقوبة في هذه الحالة أخف، ويُعفى منها إذا أبلغ السلطات العامة بالجريمة.

هل موظف الشركة الخاصة يرتكب رشوة؟

إذا كانت الدولة أو إحدى الهيئات العامة تساهم في مال الشركة بأي نصيب، يُعد موظفوها في حكم الموظف العام في تطبيق أحكام الرشوة.

المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية في واقعتك. إذا كنت طرفاً في واقعة رشوة، بلاغاً أو اتهاماً، يمكنك حجز استشارة مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي أو الاتصال على +965 2220 4490.

تحتاج استشارة قانونية؟

تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية

الكلمات الدلالية

هل تحتاج استشارة في هذا الموضوع؟

يتولى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي الترافع والاستشارات أمام المحاكم الكويتية بدرجاتها كافة.

تواصل عبر واتساب