الأصل في القانون الكويتي أن الدعوى الجزائية حق للمجتمع، تحركها النيابة العامة أو جهة التحقيق متى علمت بالجريمة، ولو لم يطلب المجني عليه ذلك. لكن المشرّع استثنى طائفة من الجرائم فجعل تحريك الدعوى فيها معلقاً على إرادة المجني عليه، وتسمى «جرائم الشكوى». ويخلط كثيرون بين الشكوى والبلاغ، فيظنون أن أي شخص يستطيع أن يحرك هذه القضايا، أو أن المجني عليه لا يستطيع إيقافها بعد أن تبدأ. في هذا المقال نشرح ما هي جرائم الشكوى في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، والفرق بين الشكوى والبلاغ، وأثر عدول المجني عليه، والعلاقة بين الشكوى والصلح.
ما المقصود بجرائم الشكوى؟
جرائم الشكوى هي جرائم يرى المشرّع أن مصلحة المجني عليه فيها، أو اعتبارات الأسرة والسمعة، قد تقتضي ألا تُعرض على القضاء إلا إذا أراد هو ذلك. فالنيابة أو جهة التحقيق لا تملك رفع الدعوى الجزائية فيها ما لم يتقدم المجني عليه بشكوى، حتى لو علمت بالواقعة من مصدر آخر.
وقد حددت المادة 109 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية هذه الجرائم بقولها: «لا يجوز رفع الدعوى الجزائية إلا بناء على شكوى المجني عليه في الجرائم الآتية: أولا – جرائم السب والقذف وإفشاء الأسرار. ثانيا- جريمة الزنا. ثالثا – جرائم خطف الإناث. رابعا- جرائم السرقة والابتزاز والنصب وخيانة الأمانة، إذا كان المجني عليه من أصول الجاني أو فروعه أو كان زوجه».
شرح الجرائم الواردة في النص
- السب والقذف وإفشاء الأسرار: لأن الضرر فيها يمس سمعة المجني عليه وخصوصيته، وقد يرى أن عرض الأمر على القضاء يزيد الضرر بدلاً من أن يرفعه.
- الزنا: لاعتبارات تتعلق بكيان الأسرة وسترها، فجعل القانون تحريك الدعوى بيد المجني عليه.
- خطف الإناث: لما يرتبط بهذه الجرائم من اعتبارات السمعة ومصلحة المجني عليها.
- السرقة والابتزاز والنصب وخيانة الأمانة بين الأصول والفروع والأزواج: هذه الجرائم في الأصل لا تحتاج إلى شكوى، لكنها تصبح من جرائم الشكوى إذا وقعت من الابن على أبيه أو من الأب على ابنه أو من أحد الزوجين على الآخر. والحكمة هنا الحفاظ على الروابط الأسرية وترك تقدير الملاحقة للمجني عليه. ولمعرفة الفرق بين هذه الجرائم يمكن الرجوع إلى مقالنا عن الفرق بين السرقة والاختلاس وخيانة الأمانة.
وإذا كان المجني عليه قاصراً، فقد أجاز النص أن يقدم وليه الشرعي الشكوى نيابة عنه، فإن تعذر ذلك حل النائب العام محل الولي في هذا الشأن.
الفرق بين الشكوى والبلاغ
البلاغ هو إخبار الجهات المختصة بوقوع جريمة، ويجوز أن يقدمه أي شخص علم بها، سواء كان مجنياً عليه أو شاهداً أو غير ذلك. أما الشكوى بالمعنى القانوني فهي تعبير المجني عليه نفسه، أو من يمثله قانوناً، عن رغبته في تحريك الدعوى الجزائية ضد الجاني في جريمة من جرائم الشكوى.
ويترتب على هذا الفرق نتائج عملية:
- في جرائم الشكوى لا يكفي بلاغ من شخص آخر غير المجني عليه لتحريك الدعوى.
- في غيرها من الجرائم يكفي البلاغ من أي شخص، ولا يملك المجني عليه في الأصل وقف الدعوى بإرادته.
- الشكوى تُقدَّم عادة إلى المخفر أو جهة التحقيق المختصة، ويجب أن يُفهم منها بوضوح رغبة المجني عليه في ملاحقة الجاني.
وتنبغي الإشارة إلى أن تقديم بلاغ أو شكوى يسند إلى شخص واقعة لم تصدر منه مع العلم بذلك جريمة مستقلة، وهي البلاغ الكاذب، ويمكن الاطلاع على أحكامها في مقالنا عن البلاغ الكاذب والدعوى الكيدية.
عدول المجني عليه عن الشكوى وأثره
من أهم ما يميز جرائم الشكوى أن المجني عليه الذي حرّك الدعوى يملك أن يوقفها. فالمادة 110 تنص على أن: «لمن صدر منه الإذن أو الشكوى حق العدول عن ذلك، ويعتبر العدول عفو خاصة عن المتهم وتسري عليه أحكامه».
ومعنى ذلك أن تنازل المجني عليه عن شكواه لا يبقى مجرد موقف شخصي، بل يرتب أثر العفو الخاص عن المتهم بحسب أحكامه. ولذلك يجب أن يكون التنازل مكتوباً وواضحاً ومقدماً إلى الجهة التي تنظر الدعوى، سواء كانت جهة التحقيق أو المحكمة. وللمزيد حول آثار التنازل يمكن مراجعة مقالنا عن الفرق بين التنازل عن الدعوى والتصالح.
الصلح في جرائم الشكوى وجرائم أخرى
أجاز القانون الصلح في جرائم الشكوى وفي جرائم أخرى حددها. فالمادة 240 من قانون الإجراءات تنص على أنه: «في الجرائم التي يشترط لرفع الدعوى فيها صدور شكوى من المجني عليه، وكذلك في جرائم الإيذاء والتعدي التي لا تزيد عقوبتها على الحبس لمدة خمس سنوات وجرائم انتهاك حرمة الملك والتخريب والإتلاف الواقع على أملاك الأفراد، والتهديد وابتزاز الأموال بالتهديد، يجوز للمجني عليه أن يعفو عن المتهم أو يتصالح معه على مال قبل صدور الحكم أو بعده».
فالصلح أوسع نطاقاً من جرائم الشكوى، إذ يشمل جرائم لا تحتاج إلى شكوى لتحريكها، كالإيذاء والتعدي في الحدود التي بيّنها النص. ويشترط النص أن تسري على الصلح شروط الشكوى من حيث الشكل ومن حيث أهلية التصالح، فلا يُقبل صلح ممن لا يملك قانوناً أن يقدم الشكوى.
نصائح عملية للمجني عليه والمتهم
- للمجني عليه: قدّم الشكوى بنفسك أو عبر وكيل بتوكيل يجيز ذلك، وأرفق ما لديك من أدلة كالرسائل وصور المحادثات وأسماء الشهود، واحتفظ بصورة من الشكوى ورقمها.
- قبل التنازل: تأكد من أن الاتفاق مع الطرف الآخر، إن وُجد، مكتوب ومستوفٍ، لأن التنازل في جرائم الشكوى يرتب أثر العفو ويصعب الرجوع عنه.
- للمتهم: في جرائم الشكوى تحقق أولاً من أن الدعوى حُركت بشكوى صحيحة من المجني عليه أو من يمثله قانوناً، فتخلّف هذا الشرط دفع جوهري.
- في القضايا الأسرية: السرقة أو خيانة الأمانة بين الأزواج أو بين الآباء والأبناء لها طبيعة خاصة، والتسوية الودية فيها كثيراً ما تكون أنفع للطرفين من الملاحقة.
ويمكن الاطلاع على النصوص الكاملة في صفحة قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية.
الأسئلة الشائعة
هل يستطيع شخص غير المجني عليه أن يرفع قضية سب وقذف؟
السب والقذف من جرائم الشكوى، فلا تُرفع الدعوى الجزائية فيها إلا بناء على شكوى المجني عليه، أو وليه الشرعي إذا كان قاصراً.
إذا سرق ابن من مال أبيه، هل تتحرك القضية دون شكوى الأب؟
لا، فالسرقة والابتزاز والنصب وخيانة الأمانة تصبح من جرائم الشكوى إذا كان المجني عليه من أصول الجاني أو فروعه أو زوجه.
ما أثر تنازل المجني عليه عن شكواه؟
العدول عن الشكوى يُعتبر عفواً خاصاً عن المتهم وتسري عليه أحكامه، ولذلك يجب أن يكون صريحاً ومقدماً إلى الجهة التي تنظر الدعوى.
هل يجوز الصلح في قضية ضرب أو إيذاء؟
أجاز القانون الصلح في جرائم الإيذاء والتعدي في الحدود التي بيّنها قانون الإجراءات، إلى جانب جرائم الشكوى وجرائم أخرى محددة.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية في وقائع قضيتك. لتقديم شكوى أو دراسة التنازل أو الصلح أو الدفاع في قضية جزائية، تواصل مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي عبر نموذج حجز الاستشارة أو على الرقم +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
