الاعتراف في الدعوى الجزائية الكويتية — شروط صحته ومتى يبطل وأثره على باقي المتهمين

⏱ 7 دقائق قراءة

يُنظر إلى الاعتراف في القضايا الجزائية على أنه أقوى الأدلة، حتى إن بعض المتهمين يظنون أن كلمة واحدة أمام المحقق تحسم مصير القضية، ويظن آخرون أن الإنكار اللاحق يمحو ما قالوه سابقاً. والواقع أن قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي وضع للاعتراف شروطاً وضوابط دقيقة: متى يُعد اعترافاً أصلاً، وكيف تتعامل معه المحكمة، ومتى يكون باطلاً لا قيمة له. يشرح هذا المقال هذه الأحكام من زاوية عملية تهم المتهم وذويه.

ما الذي يُعد اعترافاً في القانون الكويتي؟

ليس كل ما يقوله المتهم اعترافاً. فقد حددت المادة 157 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية مفهومه بدقة، إذ نصت على أنه «لا يعتبر اعترافا من أقوال المتهم إلا ما يكون منها صريحا قاطعا في ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه». ويُستخلص من النص أن الاعتراف يجب أن يكون:

  • صريحاً قاطعاً: فلا يُعد اعترافاً قول المتهم إنه كان موجوداً في المكان، أو إنه يعرف المجني عليه، أو إنه تشاجر معه، ما لم يقر صراحة بارتكاب الفعل المجرّم نفسه.
  • منصباً على الجريمة المنسوبة إليه: فالإقرار بواقعة أخرى أو بجزء من الوقائع لا يكون اعترافاً بالتهمة كلها.
  • صادراً عن إرادة حرة وإدراك: فيشترط النص أن يصدر الاعتراف عن بينة وحرية وإدراك.
  • غير محتاج إلى تأويل أو تجزئة: فإذا احتاجت أقوال المتهم إلى تفسير أو اقتطاع جزء منها حتى تُفهم على أنها إقرار، فلا تعد اعترافاً بالمعنى القانوني.

وما لا يرقى إلى مرتبة الاعتراف من أقوال المتهم لا يُهدر، بل يخضع كسائر أقوال الخصوم والشهود لتقدير المحكمة، ولها أن تستخلص منه قرائن في الإثبات أو النفي.

الاعتراف أمام المحقق

تبدأ علاقة المتهم بالاعتراف عادة في مرحلة التحقيق. وتوجب المادة 98 على المحقق، إذا كان المتهم حاضراً، أن يسأله شفوياً عن التهمة قبل البدء في إجراءات التحقيق، فإن اعترف أُثبت اعترافه في محضر التحقيق ونوقش فيه تفصيلاً، وإن أنكر استُجوب بعد سماع شهود الإثبات.

وفي المقابل منح النص المتهم ضمانات جوهرية، فقرر أن «وللمتهم أن يرفض الكلام، أو أن يطلب تأجيل الاستجواب لحين حضور محاميه، أو لأي وقت آخر». كما منع استعمال الضغط عليه، فلا يجوز «استعمال أي وسائل الإغراء أو الإكراه ضده». ويوقّع المتهم على أقواله بعد تلاوتها عليه، أو يُثبت في المحضر عجزه عن التوقيع أو امتناعه عنه.

ومن الناحية العملية، فإن قراءة المحضر قبل التوقيع حق للمتهم وضمانة له، وطلب حضور المحامي قبل الاستجواب حق مقرر بالنص. وللاطلاع على بقية ضمانات هذه المرحلة راجع قانون الإجراءات الجزائية الكويتي وحقوق المتهم.

الاعتراف أمام المحكمة وأثره على سير المحاكمة

عند بدء المحاكمة توجه المحكمة التهمة إلى المتهم وتسأله عما إذا كان مذنباً أم لا، وأوجبت المادة 155 أن يكون ذلك «مع توجيه نظره إلى أنه غير ملزم بالكلام أو الإجابة، وأن أقواله قد تكون حجة ضده».

فإذا اعترف المتهم، فإن المحكمة لا تكتفي بالعبارة المجردة، بل تسمع أقواله تفصيلاً وتناقشه فيها وفق المادة 156. ثم قرر النص: «وإذا اطمأنت إلى أن الاعتراف صحيح، ورأت انه لا حاجة إلى أدلة أخرى، فلها أن تستغني عن كل إجراءات التحقيق الأخرى أو بعضها، وأن تفصل في القضية». ولها مع ذلك أن تستكمل التحقيق إذا وجدت لذلك داعياً.

ويتضح من ذلك أن الاعتراف لا يُلزم المحكمة بالإدانة تلقائياً؛ فهو دليل يخضع لاطمئنانها، ولها أن تطرحه إذا شكّت في صحته أو تعارض مع أدلة أخرى في الدعوى، كأن يعترف شخص بجريمة يثبت أنه كان خارج البلاد وقت وقوعها.

متى يكون الاعتراف باطلاً؟

أهم ضمانة في هذا الباب نصت عليها المادة 159: «إذا تبين للمحكمة أن أقوال المتهم أو اعترافاته قد صدرت نتيجة تعذيب» أو إكراه، فعليها أن تعتبرها باطلة ولا قيمة لها في الإثبات. ويتصل بذلك ما قررته المادة 158 من عدم جواز تحليف المتهم اليمين، ولا إكراهه أو إغرائه على الإجابة أو على إبداء أقوال معينة بأية وسيلة.

ومن الصور التي يثيرها الدفاع عادة في هذا الشأن:

  • الإكراه المادي كالضرب أو الإيذاء، ويُدعم بالتقارير الطبية وآثار الإصابة.
  • الإكراه المعنوي كالتهديد بإيذاء الأهل أو باحتجاز أحد الأقارب.
  • الإغراء بوعد بالإفراج أو بتخفيف التهمة مقابل الاعتراف.
  • صدور الاعتراف في حالة لا يتوافر فيها الإدراك، كالإعياء الشديد أو تأثير مادة مخدرة.

ويلاحظ أن النص استثنى من قاعدة البطلان أقوال المتهم الذي عُرض عليه العفو وفق المادة 160، وهي حالة خاصة بالجرائم الجسيمة التي يشترك فيها أكثر من شخص، يُمنح فيها العفو لمن يدلي بمعلومات تكفي للقبض على بقية المتهمين ويقدم ما لديه من أدلة. وللتوسع في موانع المسؤولية المرتبطة بالإكراه راجع حالة الضرورة والإكراه.

أثر الاعتراف على المتهمين الآخرين

من المسائل التي يكثر السؤال عنها: هل يُدان شخص لأن متهماً آخر اعترف عليه؟ أجابت المادة 157 في مطلعها: «اعترافات المتهم يقتصر أثرها عليه دون سواه». فالاعتراف حجة على صاحبه، أما ما يقوله في حق غيره من المتهمين فليس اعترافاً بالنسبة إليهم، وإنما أقوال تخضع لتقدير المحكمة، ولها أن تستخلص منها قرائن، دون أن ترقى بذاتها إلى مرتبة الاعتراف.

كما قررت المادة نفسها أن أقوال المتهم في أي تحقيق أو محاكمة تصلح دليلاً له أو عليه في أي تحقيق آخر أو محاكمة أخرى، وهو ما يوجب الحذر فيما يدلي به المتهم ولو في قضية مختلفة.

العدول عن الاعتراف والصمت

يحق للمتهم أن يعدل عن اعترافه في أي مرحلة، ولا يترتب على العدول بذاته سقوط الاعتراف السابق، بل تبقى المحكمة صاحبة التقدير في الأخذ بالاعتراف الأول أو بالعدول عنه، بحسب ما تطمئن إليه من ظروف صدوره واتساقه مع بقية الأدلة. ولذلك فإن العدول يكون أقوى أثراً إذا اقترن بدفع جدي ببطلان الاعتراف وبما يسانده من أدلة.

أما الصمت، فقد قررت المادة 158 أن سكوت المتهم أو امتناعه عن الإجابة لا يُفسَّر بأنه إقرار بشيء ولا تصح مؤاخذته عليه، وأنه «لا يجوز أن يعاقب على شهادة الزور بالنسبة إلى الأقوال التي يبديها دفاعا عن نفسه». غير أن النص أجاز للمحكمة أن تستخلص من امتناع المتهم عن الإجابة، أو من إجابته إجابة غير صحيحة، ما ترى استخلاصه. ولهذا فإن قرار الصمت أو الكلام قرار دفاعي يُتخذ بعد استشارة المحامي لا بشكل عشوائي.

نصائح عملية للمتهم وذويه

  • اطلب حضور محاميك قبل الاستجواب، فهذا حق مقرر بالنص.
  • لا توقّع على محضر قبل قراءته أو تلاوته عليك، وتأكد من أنه يعكس أقوالك بدقة.
  • إذا تعرضت لإكراه أو إيذاء فبادر بإثبات ذلك طبياً والإبلاغ عنه في أقرب فرصة، فالتأخير يضعف الدفع ببطلان الاعتراف.
  • لا تبنِ دفاعك على فكرة أن الإنكار اللاحق يكفي لإسقاط الاعتراف السابق.
  • احذر من الإدلاء بأقوال في حق متهمين آخرين دون تقدير أثرها عليك.

ولفهم مراحل القضية الجزائية كاملة من البلاغ إلى الحكم راجع الدعوى الجزائية في الكويت: الإجراءات والدفوع.

الأسئلة الشائعة

هل يكفي الاعتراف وحده لإدانة المتهم؟

يجوز للمحكمة إذا اطمأنت إلى صحة الاعتراف ورأت أنه لا حاجة إلى أدلة أخرى أن تفصل في القضية، لكنها غير ملزمة بالأخذ به، ولها أن تستكمل التحقيق أو تطرحه إذا لم تطمئن إليه.

هل يبطل الاعتراف إذا صدر تحت الضغط أو التهديد؟

نعم، إذا تبين للمحكمة أن الاعتراف صدر نتيجة تعذيب أو إكراه فعليها أن تعتبره باطلاً لا قيمة له في الإثبات، ويقع على الدفاع إبراز ما يثبت ذلك.

هل يُحتج باعتراف متهم على شريكه في القضية؟

اعترافات المتهم يقتصر أثرها عليه دون سواه، وأقواله في حق غيره تخضع لتقدير المحكمة كقرينة لا كاعتراف.

هل يُعد سكوتي أمام المحقق اعترافاً؟

لا، فالسكوت لا يُفسَّر بأنه إقرار بشيء، وإن كان للمحكمة أن تستخلص منه ما تراه في ضوء بقية الأدلة.

المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة قانونية متخصصة في وقائع كل قضية، خاصة أن مرحلة التحقيق قد تحدد مسار الدعوى كلها. وإذا كنت أنت أو أحد أقاربك طرفاً في قضية جزائية، يمكنك حجز استشارة مع المحامي مشاري العنزي أو الاتصال بالمكتب على +965 2220 4490.

تحتاج استشارة قانونية؟

تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية

الكلمات الدلالية

هل تحتاج استشارة في هذا الموضوع؟

يتولى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي الترافع والاستشارات أمام المحاكم الكويتية بدرجاتها كافة.

تواصل عبر واتساب