يحدث أن يختلف شخصان على مال أو عمل أو علاقة، فيبادر أحدهما إلى مخفر الشرطة أو النيابة بتهمة لا أصل لها، لا طلباً للحق بل للضغط على خصمه أو الإساءة إليه. وفي الجهة المقابلة، يخشى بعض المتضررين من الإبلاغ عن جريمة حقيقية خوفاً من أن ينقلب بلاغهم عليهم إذا لم يثبت أمام القضاء. وقد عالج قانون الجزاء الكويتي هذه المسألة في جريمة «البلاغ الكاذب»، ووازن بين حماية الأبرياء من الاتهام الكيدي وحماية حق الناس في الإبلاغ بحسن نية. يوضح هذا المقال أركان الجريمة والفرق بين البلاغ الخاسر والبلاغ الكاذب، ودفاع المتهم، وحق من تضرر من البلاغ في التعويض.
نص القانون: ماذا يُجرِّم البلاغ الكاذب؟
تنص المادة 145 من قانون الجزاء على أن العقوبة تلحق «كل من قدم الى موظف عام مختص باتخاذ الاجراءات الناشئة عن ارتكاب الجرائم، بلاغا كتابيا او شفويا متضمنا اسناد واقعة تستوجب العقاب الى شخص لم تصدر منه، وهو عالم بعدم صحة هذا البلاغ». والعقوبة المقررة في النص حبس وغرامة أو إحداهما، وتقدير مقدارها بين الحدين من سلطة المحكمة.
وقد أضاف النص حكماً يغلق باباً شائعاً للدفاع، فهو يقضي بتوقيع العقوبة حتى لو كان الموظف الذي تلقى البلاغ غير مختص باتخاذ الإجراءات عن الواقعة المبلغ عنها بالذات، أو «كانت الاجراءات لم تتخذ فعلا بناء على البلاغ». فلا يشترط إذن أن يُحبس المبلغ ضده أو يُستدعى؛ تقوم الجريمة بمجرد تقديم البلاغ مع توافر بقية الأركان.
أركان جريمة البلاغ الكاذب
من نص المادة يمكن استخلاص الأركان التي ينبغي أن تثبتها النيابة أو المحكمة:
- تقديم بلاغ إلى جهة مختصة: أن يقدَّم البلاغ إلى موظف عام من أهل الاختصاص بتلقي الجرائم، كرجل الشرطة أو عضو النيابة، سواء كان البلاغ كتابياً أو شفهياً. فالحديث العابر بين الأصدقاء، أو منشور على وسائل التواصل لم يرافقه بلاغ رسمي، لا يدخل بهذا النص وإن أمكن أن يشكل جريمة أخرى كالقذف.
- إسناد واقعة تستوجب العقاب: أن يتضمن البلاغ نسبة فعل يعدّه القانون جريمة إلى شخص معيّن. أما الاتهام بأمر لا عقاب عليه كالخلق السيئ أو الخلاف المدني فلا يدخل في المادة.
- كذب الواقعة: أن تكون الواقعة المنسوبة لم تصدر من المبلغ ضده، وهذا هو جوهر الأمر. والنص يتحدث عن «شخص لم تصدر منه» الواقعة.
- العلم بالكذب: هذا هو الركن المعنوي، وهو أدق الأركان. فالنص يشترط أن يكون المبلغ «عالماً بعدم صحة» ما أبلغ به. فمن أبلغ عن واقعة اعتقد صحتها، ولو تبين لاحقاً خطؤه، لا يرتكب هذه الجريمة.
الفرق بين البلاغ الذي لم يثبت والبلاغ الكاذب
أكثر ما يقلق المبلغين أن يصدر قرار بحفظ القضية أو حكم ببراءة المتهم، فيظنون أن ذلك يعرّضهم للمساءلة. والحقيقة أن عدم كفاية الأدلة أو براءة المتهم لا تعني بذاتها أن البلاغ كاذب. فالنيابة قد تحفظ الأوراق لنقص الدليل أو لتعذر معرفة الفاعل أو لأن الواقعة لا يعاقب عليها القانون، والمحكمة قد تبرّئ المتهم للشك في صحة الاتهام. وفي هذه الحالات كلها يبقى البلاغ مشروعاً ما دام صاحبه قد قدّمه بحسن نية، معتقداً صحة ما يقول.
أما إذا ثبت أن المبلغ كان يعلم وقت التبليغ أن المتهم بريء، بأن اختلق الواقعة أو لفّق الدليل أو اتهم شخصاً وهو يعلم أن غيره الفاعل، فقد قامت الجريمة. وغالباً ما تُستخلص النية من القرائن: تناقض الأقوال، وثبوت عدم وجود المبلغ أصلاً في مكان الواقعة، ورسائل سابقة تتضمن تهديداً بـ«إيقاعه في مشكلة»، وتوقيت البلاغ بعد خلاف مالي أو أسري.
متى يمكن رفع الدعوى على المبلغ؟
من الناحية العملية، ينظر المضرور أولاً في مصير البلاغ الأصلي. فإذا صدر قرار بحفظ الأوراق أو حكم ببراءته، أمكنه أن يتقدم بشكوى بالبلاغ الكاذب أو أن يطالب في دعوى مدنية بالتعويض، مدعماً ذلك بالأدلة على أن المبلغ كان عالماً بعدم صحة ما نسبه إليه. والمستندات المفيدة في هذا المقام:
- صورة من البلاغ الأصلي ومحضر الاستدلال أو التحقيق الذي دوّن فيه.
- قرار الحفظ أو الحكم النهائي بالبراءة وأسبابه، فقد تتضمن الأسباب ما يدل على اختلاق الواقعة.
- أي مراسلات أو تسجيلات أو شهود تثبت الخلاف السابق ودافع الكيد.
- ما يثبت الضرر الذي لحق بك: توقيف أو منع من السفر أو فصل من العمل أو تشويه سمعة.
ويحسن عرض الوقائع على محامٍ قبل التحرك، لتحديد الجهة المناسبة لتقديم الشكوى والمستندات اللازمة. وللتفريق بين الشكوى والبلاغ في الجرائم عموماً راجع مقالنا عن جرائم الشكوى والبلاغ.
دفاع من اتُّهم بالبلاغ الكاذب
إذا وجّه إليك اتهام بأنك قدّمت بلاغاً كاذباً، فخطوط الدفاع الأساسية هي:
- حسن النية: أنك أبلغت وأنت معتقد صحة ما أبلغت به، استناداً إلى معلومات أو قرائن كانت لديك وقتها، كأن ترى شخصاً قرب مكان الواقعة أو تفقد مالاً وتشتبه في أحد.
- الخطأ لا يعني الكذب: أن الخطأ في تقدير الوقائع أو الشخص لا يكفي، فالنص يشترط العلم بعدم صحة البلاغ. وعبء إثبات هذا العلم على جهة الاتهام.
- رأي أو شك لا اتهام: ألا تكون قد أسندت واقعة محددة إلى شخص معيّن، كأن تكون أبديت رأياً عاماً أو شكاً ولم تتهم أحداً.
- عدم الصدور أمام جهة مختصة: مناقشة ما إذا كان القول قد صدر فعلاً أمام الموظف المختص أم في سياق آخر.
وتبرز أهمية إعداد صياغة البلاغ الأصلي بعناية؛ فمن يبلغ عن واقعة حقيقية يحسن به أن يقتصر على ما رآه أو سمعه أو يملك دليله، وألا يضيف جزماً بما لا يعلم.
التعويض المدني عن البلاغ الكيدي
إلى جانب العقوبة، يملك من تضرر من البلاغ الكاذب مطالبة المبلغ بالتعويض وفق قواعد المسؤولية المدنية. فالمادة 227 من القانون المدني تنص على أن «كل من أحدث بفعله الخاطئ ضررا بغيره يلتزم بتعويضه، سواء أكان في احداثه الضرر مباشرا أو متسببا». والتبليغ الكاذب فعل خاطئ يسبب أضراراً مباشرة كالتوقيف أو المنع من السفر أو الفصل من العمل، فضلاً عن الضرر الأدبي.
ويشمل التعويض ما وقع من خسارة وما فات من كسب إذا كان نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع، وفق المادة 230، كما يتناول الضرر الأدبي بموجب المادة 231 إذا مسّ الشخص في شرفه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي. ويمكن الاطلاع على تفصيل ذلك في مقالنا عن التعويض عن الضرر المعنوي وعن المسؤولية التقصيرية.
نصائح عملية قبل أن تبلّغ
- اقتصر في البلاغ على الوقائع التي تعرفها بنفسك، وفرّق بين ما رأيته وما استنتجته.
- أرفق ما لديك من مستندات وأرقام هواتف شهود وتسجيلات مشروعة.
- لا تُسمِّ شخصاً بعينه إذا لم يكن لديك ما يدل عليه، واطلب التحقيق في الواقعة.
- إن تغيّرت قناعتك لاحقاً فبادر إلى إبلاغ جهة التحقيق بما استجد، فذلك يؤكد حسن نيتك.
- تذكّر أن الجريمة المبلغ عنها شيء، وأمر البلاغ الكاذب شيء آخر، ولكل مسار ضوابطه.
الأسئلة الشائعة
هل أُعاقَب إذا حُفظ بلاغي أو برّئ المتهم؟
لا يترتب ذلك تلقائياً. العقاب مرتبط بأنك كنت تعلم وقت البلاغ أن الواقعة غير صحيحة. فالحفظ أو البراءة قد يكونان لنقص الدليل وحده، وتبقى المسألة مسألة نية وإثبات.
هل يشترط أن يُقبض على المبلغ ضده أو يُستدعى حتى تقوم الجريمة؟
لا. يعاقب القانون على البلاغ الكاذب ولو لم تتخذ إجراءات فعلية بناء عليه، ولو كان الموظف الذي تلقاه غير مختص بالواقعة بالذات.
هل يمكنني المطالبة بالتعويض دون انتظار حكم جزائي؟
يمكن رفع دعوى التعويض، لكن إثبات كذب البلاغ وعلم صاحبه به يستلزم عادة مستندات أو حكماً أو قراراً بشأن البلاغ الأصلي. ولهذا يستحسن عرض ملفك على محامٍ لتحديد الأنسب من المسارين وتوقيتهما.
هل البلاغ الكاذب هو نفسه القذف؟
لا. البلاغ الكاذب يتطلب إسناد واقعة إجرامية إلى شخص أمام جهة مختصة بتلقي الجرائم، أما القذف والسب فيتعلقان بنشر عبارات تمس الشرف والاعتبار، ولكل منهما أركانه، وقد تجتمع الجريمتان في واقعة واحدة.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وللتثقيف القانوني، ولا تغني عن استشارة قانونية تراعي وقائع قضيتك. وإن وُجّه إليك اتهام بالبلاغ الكاذب، أو كنت ضحية بلاغ كيدي وتريد حقك، فيمكنك التواصل مع مكتبنا عبر صفحة حجز الموعد أو الاتصال على +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
