الوفاء بالالتزام في القانون المدني الكويتي — لمن يكون ومتى وأين وكيف

⏱ 8 دقائق قراءة

يلتزم المدين بدين أو بتسليم شيء، لكن الخلاف كثيراً ما لا يدور حول وجود الدين نفسه، بل حول طريقة أدائه: هل يُسلَّم المبلغ لوكيل الدائن أم لا بد من الدائن شخصياً؟ وهل يجبر الدائن على قبول جزء من الدين؟ وأين يتم الوفاء ومن يتحمل مصاريفه؟ وماذا يفعل المدين إذا رفض الدائن استلام حقه؟ يتناول القانون المدني الكويتي هذه المسائل في باب انقضاء الالتزام، ويجيب هذا المقال عنها بالنصوص وبالخطوات العملية، ويكمل ما سبق عرضه عن الإعذار وعن فسخ العقد والدفع بعدم التنفيذ.

ما المقصود بالوفاء بالالتزام؟

الوفاء هو أداء المدين ما التزم به أداءً صحيحاً، فتبرأ ذمته ويسقط الالتزام. وهو الطريق الطبيعي لانقضاء الدين، وقد خصّه المشرّع بفصل مستقل في القانون المدني. وتتناول أحكامه ثلاثة أسئلة: من يوفي، ولمن يوفى، وكيف ومتى وأين يتم الأداء.

وفي الديون النقدية تضع المادة 174 قاعدة واضحة: «في الالتزامات بدفع مبلغ من النقود، يكون الوفاء بالعملة الكويتية». ثم تستدرك بأنه «إذا اتفق على الوفاء بعملة أجنبية وجب الوفاء بها». فالأصل بالدينار الكويتي، والاستثناء ما اتفق عليه الطرفان صراحة في العقد.

من يملك الوفاء؟ المدين وغيره

الأصل أن يوفي المدين نفسه، لكن القانون يجيز الوفاء من غيره. ومما ورد في النص أنه «ويصح الوفاء أيضا من أجنبي، ولو كان ذلك دون علم المدين أو رغم إرادته»، مع بقاء حق الدائن في رفض الوفاء من الأجنبي إذا اعترض المدين وأبلغ الدائن باعتراضه. ويترتب على وفاء الغير أثران مهمان:

  • الرجوع على المدين: تنص المادة 393 على أنه إذا قام الغير بوفاء الدين «كان له حق الرجوع على المدين بقدر ما دفعه»، وللمدين الذي حصل الوفاء دون علمه أن يمنع رجوع الموفي إذا أثبت أن له مصلحة في الاعتراض على الوفاء.
  • الحلول محل الدائن: قد يحل الموفي محل الدائن في حقه وتأميناته، قانوناً في أحوال محددة أو اتفاقاً، ويكون الحلول بقدر ما أداه فقط.

أما صحة الوفاء ذاتها فتشترط فيها المادة 392 أن يكون الموفي مالكاً للشيء الذي وفى به وأهلاً للتصرف فيه. وقد نصت على أن وفاء المدين بدين بعض الدائنين وهو في مرض موته، إذا كان ماله لا يسع جميع ديونه وأضر ذلك ببقية الدائنين، لا ينفذ في حق هؤلاء.

لمن يكون الوفاء؟ الدائن أو من ينوب عنه

تقرر المادة 399 أن الوفاء يكون للدائن. ثم تضيف أنه «ويعتبر ذا صفة في استيفاء الدين من يقدم للمدين مخالصة صادرة من الدائن». ومعنى ذلك عملياً أن حامل المخالصة الصادرة من الدائن يُعتد باستلامه، فلا يُطالب المدين بأكثر من التحقق من صحتها.

فإذا دفع المدين لغير الدائن، فالمادة 400 تقول إنه «لا تبرأ ذمة المدين إلا إذا أقر الدائن هذا الوفاء أو عادت عليه منفعة منه وبقدر هذه المنفعة أو تم الوفاء بحسن نية لشخص ظاهر بمظهر الدائن». ومن الأخطاء الشائعة أن يسلّم المدين المبلغ لقريب الدائن أو لموظف في مكتبه دون مستند يثبت صفته، ثم ينكر الدائن استلامه، فيجد المدين نفسه ملزماً بالدفع مرة ثانية.

كيف يتم الوفاء: الشيء المستحق والجزء والترتيب

تضع المواد من 405 إلى 408 قواعد على المدين الإلمام بها:

  • الشيء المستحق بعينه: يكون الوفاء بالشيء المستحق، فليس للمدين أن يفي بغيره بدلاً عنه بدون رضا الدائن.
  • الوفاء الجزئي: تقضي المادة 406 بأنه «لا يجوز للمدين أن يجبر الدائن على أن يقبل وفاء جزئيا لحقه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك»، وإذا كان الدين متنازعاً في جزء منه وقبل الدائن أن يستوفي الجزء المعترف به فليس للمدين أن يرفض الوفاء بهذا الجزء.
  • ترتيب الخصم: إذا لم يكن المبلغ المدفوع كافياً للمصروفات والتعويضات عن التأخير وأصل الدين معاً، يُخصم أولاً من المصروفات، ثم من التعويضات عن التأخير، ثم من أصل الدين، ما لم يوجد اتفاق على غير ذلك.
  • تعدد الديون: إذا تعددت الديون لدائن واحد ومن جنس واحد ولم يكف ما أداه المدين لها جميعاً، جاز للمدين عند الوفاء أن يعيّن الدين الذي يريد الوفاء به، ما لم يمنع مانع قانوني أو اتفاقي.

وتظهر أهمية قاعدة الترتيب حين يسدد المدين دفعات متفرقة: فإذا لم يعيّن ما يسدده، قد تذهب دفعاته إلى المصروفات والتعويضات قبل أصل الدين، فيبقى الأصل قائماً مدة أطول مما يتوقع. لذلك ينبغي أن يكتب المدين في إيصال السداد الدين الذي يقصد سداده.

متى يجب الوفاء؟ الأجل والإمهال القضائي

تنص المادة 410 على أنه «يجب أن يتم الوفاء بمجرد ترتب الالتزام في ذمة المدين ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بخلافه». أما إذا كان الدين مؤجلاً فللمدين أن يعجّل بسداده، فتقول المادة 411: «فللمدين أن يوفيه قبل حلول أجله إذا كان هذا الأجل متمحضا لمصلحته»، ولا يملك الدائن رفض ذلك. وإن كان الأجل لمصلحة الدائن أو لمصلحتهما معاً فلا يستقل المدين بتعجيله.

وللقاضي في ظروف المدين سلطة تقديرية، إذ تجيز الفقرة الثانية من المادة 410 له، إذا لم يمنعه نص، «أن ينظر المدين إلى أجل مناسب أو يقسط الدين عليه، إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن ضرر جسيم». وهذه الرخصة لا تُمنح تلقائياً؛ يطلبها المدين الجاد في دفاعه ويقدّم ما يثبت ظرفه، وتوازن المحكمة بينه وبين ضرر الدائن.

مكان الوفاء ونفقاته

تحدد المادة 412 المكان بقولها: «يكون الوفاء في موطن المدين كما يجوز أن يكون في مكان عمله إذا كان الالتزام متعلقا بهذا العمل». واستثناءً من ذلك «يكون الوفاء بتسليم شيء معين بالذات في المكان الذي كان فيه وقت نشوء الالتزام»، وكل ذلك ما لم يقض الاتفاق أو القانون أو طبيعة الالتزام بغيره. ثم تنص المادة 413 على أن «تكون نفقات الوفاء على المدين إلا إذا وجد اتفاق أو نص في القانون أو عرف يقضي بغير ذلك».

ولذلك يحسن أن يتضمن العقد بنداً صريحاً عن مكان التسليم وطريقة السداد، تفادياً لنزاع حول من يتحمل كلفة النقل أو التحويل.

إذا رفض الدائن استلام حقه: العرض والإيداع

قد يمتنع الدائن عن قبول الوفاء تعنتاً أو مماطلة، وهنا يحمي القانون المدين الجاد. تقرر المادة 401 أنه إذا رفض الدائن بغير مبرر مقبول الوفاء المعروض عليه عرضاً صحيحاً، كان للمدين أن ينذره مسجلاً عليه هذا الرفض. فإذا تم الإنذار، تحمّل الدائن تبعة هلاك الشيء أو تلفه، وصار للمدين الحق في إيداع الشيء على نفقة الدائن والمطالبة بالتعويض إن كان له مقتضى.

وتضيف المادة 402 أنه «يقوم مقام الوفاء، عرض الدين عرضا حقيقيا، إذا تلاه إيداع أو إجراء بديل عنه وفقا لأحكام قانون المرافعات، ثم قبله الدائن أو صدر حكم نهائي بصحته». ويصح الإيداع مباشرة دون عرض سابق في أحوال تحددها المادة 403، منها أن يجهل المدين شخصية الدائن أو موطنه، أو أن يكون الدائن عديم الأهلية أو ناقصها وليس له نائب يقبل عنه الوفاء، أو أن يكون الدين متنازعاً فيه بين عدة أشخاص. وتفصيل الإجراءات يحكمه قانون المرافعات المدنية والتجارية.

خطوات عملية للمدين وللدائن

  • احتفظ بالدليل: سدد بوسيلة موثقة كالتحويل البنكي أو الشيك المسحوب، واطلب مخالصة مكتوبة تبين المبلغ والدين المسدد وتاريخ السداد.
  • وجّه الدفعة: إذا كانت عليك ديون متعددة للدائن نفسه فاذكر كتابةً الدين الذي تسدده.
  • لا تدفع لغير الدائن دون تفويض: تحقق من صفة المستلم ومن مخالصة صادرة من الدائن.
  • للدائن: وثّق أي رفض لعرض وفاء صحيح قدّمه المدين، فقد تقوم عليك تبعة الهلاك، وتحمّل كلفة الإيداع.
  • عند الخلاف: قارن ما بين الدين المتفق عليه والمتنازع فيه، وتذكر أن القانون يلزم الدائن بقبول الجزء المعترف به من الدين المتنازع على بعضه.

وإذا انتهى النزاع إلى حكم فإن تنفيذه يخضع للأحكام الواردة في دليل تنفيذ الأحكام في الكويت.

الأسئلة الشائعة

هل يجبرني الدائن على سداد الدين دفعة واحدة؟

الأصل أن الدائن لا يُجبر على قبول وفاء جزئي، فللدائن أن يطلب الدين كاملاً ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك. وللمحكمة عند الضرورة أن تمهل المدين أو تقسّط عليه الدين، متى استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن ضرر جسيم.

ماذا لو دفعت لشخص قال إنه وكيل الدائن؟

لا تبرأ ذمتك إلا إذا كان الشخص ذا صفة، كأن يقدم لك مخالصة صادرة من الدائن، أو أقرّ الدائن هذا الوفاء، أو عادت عليه منفعة منه، أو كان ظاهراً بمظهر الدائن وأنت حسن النية. وما عدا ذلك فقد يطالبك الدائن بالسداد مرة أخرى.

هل يجوز لشخص آخر أن يسدد ديني؟

نعم، يصح الوفاء من الغير ولو دون علم المدين، وقد يرجع الموفي عليه بما دفع أو يحل محل الدائن في حقه، وللدائن الحق في رفض الوفاء من الأجنبي إذا اعترض المدين وأبلغه.

أين أسدد الدين إذا لم يحدد العقد مكاناً؟

الأصل أن يكون الوفاء في موطن المدين، ويجوز أن يكون في مكان عمله إذا كان الالتزام متعلقاً بالعمل، وتكون نفقات الوفاء على المدين ما لم يوجد اتفاق أو نص أو عرف يقضي بغير ذلك.

المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وللتثقيف القانوني، ولا تغني عن استشارة قانونية تراعي وقائع قضيتك. وإن كنت دائناً أو مديناً وتحتاج إلى تنظيم السداد أو توثيقه أو الدفاع عن حقك، فيمكنك التواصل مع مكتبنا عبر صفحة حجز الموعد أو الاتصال على +965 2220 4490.

تحتاج استشارة قانونية؟

تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية

الكلمات الدلالية

هل تحتاج استشارة في هذا الموضوع؟

يتولى مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي الترافع والاستشارات أمام المحاكم الكويتية بدرجاتها كافة.

تواصل عبر واتساب