ينظم القانون المدني الكويتي، إلى جانب القواعد العامة لعقد البيع، أنواعاً خاصة من البيوع لها أحكام مستقلة، يقع فيها كثير من المتعاملين دون أن يعرفوا أثرها: بيع يحتفظ فيه البائع بحق استرداد المبيع إذا رد الثمن، وبيع يقع على مال لا يملكه البائع، وبيع حق ما زال محل دعوى أو نزاع جدي. ولكل منها أثر مختلف على انتقال الملكية وعلى حقوق المشتري. يشرح هذا المقال الأحكام التي أوردها القانون المدني في المواد من 508 إلى 514 بشأن بيع الوفاء، وبيع ملك الغير، وبيع الحقوق المتنازع فيها، والمنع الخاص على القضاة والمحامين وغيرهم من شراء هذه الحقوق، مع الأخطاء العملية التي ينبغي تجنبها.
بيع الوفاء — حين يتحول البيع إلى قرض مضمون
بيع الوفاء صورة يحتفظ فيها البائع بحق استرداد المبيع إذا رد الثمن للمشتري. وكثيراً ما يلجأ إليها من يحتاج إلى مال عاجل، فيبيع عقاراً أو سيارة بثمن أقل من قيمتها مع الاتفاق على أن يستردها متى رد المبلغ. وقد حسم القانون المدني تكييف هذه الصورة، فنصت المادة 508 على أنه: «إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع في مقابل رد الثمن والمصروفات، اعتبر العقد قرضا مضمونا برهن حيازي.»
ويترتب على هذا التكييف آثار مهمة:
- العبرة بحقيقة العقد لا باسمه: ولو سمّى الطرفان العقد بيعاً، فإن القانون يعامله معاملة القرض المضمون بالرهن.
- المشتري لا يصبح مالكاً نهائياً: بل يكون في مركز الدائن المرتهن، فتسري عليه قواعد الرهن الحيازي لا قواعد ملكية المبيع.
- حماية المقترض: هذا الحكم يحمي من اضطر إلى بيع ماله بثمن بخس تحت الحاجة، إذ يبقى المال ضماناً للدين لا ملكاً خالصاً للدائن.
ولمعرفة أحكام الرهن الحيازي وحقوق الدائن المرتهن يمكن الرجوع إلى مقال الرهن الحيازي والتأمينات العينية في الكويت.
بيع ملك الغير — متى تنتقل الملكية؟
قد يبيع شخص مالاً لا يملكه، كمن يبيع عقاراً مملوكاً لقريبه، أو سيارة لم تُسجل باسمه بعد، أو حصة في تركة لم تُقسم على أنها حصة مفرزة. وقد نصت المادة 509 من القانون المدني على أنه: «إذا باع شخص مالا للغير فإن الملكية لا تنتقل إلى المشتري إلا إذا آلت إلى البائع أو اقر المالك البيع.»
ومن هذا النص يتبين أن للملكية في هذا البيع طريقين فقط للانتقال:
- أن تؤول الملكية إلى البائع لاحقاً: كأن يشتري البائع المال من مالكه الحقيقي بعد البيع، أو يرثه، فتنتقل الملكية عندئذ إلى المشتري.
- أن يقر المالك الحقيقي البيع: فإقرار المالك يجعل البيع نافذاً في حقه.
أما إذا لم يتحقق أي منهما، فلا تنتقل الملكية إلى المشتري، ويبقى المالك الحقيقي صاحب الحق في ماله. وفي هذه الحالة يبحث المشتري حقوقه تجاه البائع، ومنها الرجوع عليه بالضمان إذا نُزع المبيع من يده. وقد شرحنا ذلك في مقال ضمان الاستحقاق في عقد البيع.
بيع الحقوق المتنازع فيها وحق الاسترداد
قد يبيع صاحب حق متنازع فيه حقه لشخص آخر بثمن زهيد، فيتحول النزاع إلى مضاربة على الخصومة. ولذلك منح القانون المدني خصم البائع حقاً في استرداد الحق المبيع، فنصت المادة 510 على أنه: «إذا بيع حق متنازع فيه، كان لمن ينازع البائع أن يسترده من مشتريه إذا رد له ما دفعه من ثمن وما تكبده من مصروفات.»
وحددت الفقرة الثانية من المادة نفسها متى يعد الحق متنازعاً فيه: «ويعتبر الحق متنازعا فيه إذا كان موضوعه قد رفعت به دعوى أو قام في شأنه نزاع جدي.»
ويستفاد من ذلك:
- ليس كل خلاف نزاعاً: يكفي أن تكون قد رفعت دعوى بموضوع الحق، أو أن يقوم في شأنه نزاع جدي، لا مجرد ادعاء غير جاد.
- صاحب حق الاسترداد هو خصم البائع: أي من ينازع البائع في الحق، فإذا استرد الحق انتهى النزاع بدفع ما دفعه المشتري فعلاً.
- ما يرده المسترد: الثمن الحقيقي الذي دفعه المشتري والمصروفات التي تكبدها، لا القيمة الاسمية للحق.
وحق الاسترداد مقيد بمدة، فقد نصت المادة 511 على أنه: «يسقط حق الاسترداد بمضي ثلاثين يوما من تاريخ علم المسترد بالبيع.» ولذلك يجب على من يعلم ببيع حق ينازع فيه أن يتصرف سريعاً، وأن يحتفظ بما يثبت تاريخ علمه بالبيع.
من لا يجوز لهم شراء الحقوق المتنازع فيها
حرصاً على نزاهة القضاء ومنع استغلال النفوذ، نصت المادة 513 من القانون المدني على أنه: «لا يجوز للقضاة ولا لأعضاء النيابة ولا للمحامين ولا لكتبة المحاكم ولا لمأموري التنفيذ أن يشتروا، ولو باسم مستعار، حقا متنازعا فيه، وإلا كان العقد باطلا.»
ويلاحظ أن الجزاء هنا البطلان، وأن الشراء باسم مستعار لا ينقذ العقد، فالعبرة بالمشتري الحقيقي لا بالاسم الظاهر في العقد.
ووضعت المادة 514 منعاً مشابهاً على فئة أخرى، فنصت على أنه: «لا يجوز للسماسرة ولا للخبراء أن يشتروا – ولو باسم مستعار – الأموال المعهود إليهم في بيعها أو في تقدير قيمتها أو مباشرة الخبرة في شأنها.» لكنها خففت الجزاء في فقرتها الثانية: «ويصح العقد في هذه الأحوال إذا أقره من تم البيع لحسابه.» فالفرق واضح: شراء القاضي أو المحامي للحق المتنازع فيه باطل، أما شراء السمسار أو الخبير للمال المعهود إليه فيصح إذا أقره صاحب المال.
أخطاء عملية شائعة
- توقيع بيع وفاء على أنه بيع نهائي: المشتري الذي يظن أنه أصبح مالكاً قد يفاجأ بأن القانون يعتبره دائناً مرتهناً فقط.
- الشراء من غير المالك المسجل: يجب التحقق من سند الملكية قبل الشراء، فالبيع لا ينقل الملكية إذا لم يكن البائع مالكاً ولم يقر المالك البيع. وللتفاصيل العملية في العقار راجع مقال بيع وشراء العقار في الكويت.
- شراء حق محل دعوى دون دراسة: المشتري معرّض لأن يسترد خصم البائع الحق منه بدفع ما دفعه فقط.
- تفويت مدة الاسترداد: من يملك حق الاسترداد ويتأخر عن المدة المحددة في المادة 511 يفقد حقه.
الأسئلة الشائعة
بعت بيتي على أن أسترده إذا رددت الثمن، فهل أصبح المشتري مالكاً؟
وفق المادة 508 من القانون المدني، إذا احتفظ البائع بحق استرداد المبيع مقابل رد الثمن والمصروفات، اعتبر العقد قرضاً مضموناً برهن حيازي، فيكون المشتري في مركز الدائن المرتهن لا المالك.
اشتريت عقاراً ثم تبين أن البائع لا يملكه، فما الحل؟
الملكية لا تنتقل إليك إلا إذا آلت إلى البائع لاحقاً أو أقر المالك الحقيقي البيع. فإن لم يحدث ذلك، فلك الرجوع على البائع وفق قواعد الضمان والتعويض.
متى يعتبر الحق متنازعاً فيه؟
إذا كان موضوعه قد رفعت به دعوى أو قام في شأنه نزاع جدي، كما نصت المادة 510.
هل يجوز للمحامي أن يشتري حقاً متنازعاً فيه؟
لا. المادة 513 تمنع القضاة وأعضاء النيابة والمحامين وكتبة المحاكم ومأموري التنفيذ من شراء الحق المتنازع فيه ولو باسم مستعار، وإلا كان العقد باطلاً.
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة لأغراض التوعية القانونية، ولا تغني عن استشارة محامٍ يدرس العقد ومستندات الملكية. إن كنت مقبلاً على شراء مال أو حق، أو لديك نزاع حول بيع من هذه الأنواع، يمكنك حجز استشارة مع مكتب المحامي مشاري عبيد العنزي، أو الاتصال على +965 2220 4490.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
