الأصل أن العقد لا يلزم إلا طرفيه، فلا يكسب منه الغير حقاً ولا يتحمل به التزاماً. غير أن الحياة العملية تعرف عقوداً يتفق فيها شخصان على أن يحصل ثالث على منفعة لم يكن طرفاً في العقد: كوثيقة تأمين يُسمّى فيها مستفيد، أو عقد يشترط فيه البائع على المشتري أداء مبلغ لقريب له، أو اتفاق يلتزم فيه شخص بأن يجعل غيره يقبل أمراً معيناً. ينظم القانون المدني الكويتي هذه الصور في مواد متتالية تحت عنوان «التعهد عن الغير» و«الاشتراط لمصلحة الغير»، ويشرحها هذا المقال بما يهم المتعاقدين والمستفيدين.
القاعدة والاستثناء: نسبية أثر العقد
القاعدة العامة أن العقد ينتج أثره بين طرفيه. وما يعالجه هذا الموضوع استثناءان محدودان: الأول أن يتعهد شخص بأن يلتزم غيره بأمر معين (التعهد عن الغير)، والثاني أن يشترط شخص لمصلحة غيره حقاً مباشراً على المتعاقد الآخر (الاشتراط لمصلحة الغير). وبين الصورتين فرق جوهري ينبغي التمسك به عند صياغة العقد وعند الدعوى.
التعهد عن الغير
تنص المادة 204 على أنه «إذا تعهد شخص لآخر بأن يجعل أحدا من الغير يلتزم نحوه بأمر معين، التزم هو بتعهده دون ذلك الغير.» فالملتزم هنا هو المتعهد نفسه، أما الغير فلا يلتزم بشيء بمجرد هذا التعهد. وللمسألة بقية في النص ذاته:
- إذا رفض الغير تحمل الالتزام المتعهد به، كان المتعهد مخلاً بتعهده والتزم بتعويض المتعهد له عما يناله من ضرر بسبب إخلاله.
- يستطيع المتعهد أن يتفادى التعويض إذا عرض أن يقوم هو بنفسه بالأمر المتعهد به، وكان ذلك في مقدوره من غير ضرر ينال المتعهد له.
- إذا ارتضى الغير الالتزام تحمل به وبرئت ذمة المتعهد، ويكون تحمله به من وقت رضائه ما لم يتبين أنه قصد أن يستند أثر هذا الرضاء إلى وقت صدور التعهد.
مثال ذلك أن يتعهد شخص لمشترٍ بأن يحمل مالك العقار المجاور على التنازل عن حق ارتفاق، فإن رفض المالك فالمتعهد هو الذي يُسأل أمام المشتري لا المالك.
الاشتراط لمصلحة الغير: متى يجوز؟
أما الاشتراط فتقرره المادة 205 بقولها: «يجوز للشخص، في تعاقده عن نفسه، أن يشترط على المتعاقد معه التزامات معينة يتعهد بأدائها للغير، إذا كان للمشترط في تنفيذ هذه الالتزامات، مصلحة مادية أو أدبية.» فيتضح من النص ثلاثة شروط عملية:
- أن يتعاقد المشترط عن نفسه لا نيابة عن الغير، وإلا كنا أمام وكالة لا اشتراط.
- أن يشترط على المتعاقد الآخر التزامات معينة يؤديها للغير.
- أن تكون للمشترط مصلحة مادية أو أدبية في تنفيذها، فلا يصح الاشتراط المجرد من أي مصلحة.
ثم أضافت الفقرة الثانية أنه «يجوز في الاشتراط لمصلحة الغير أن يكون المستفيد شخصاً مستقبلاً، كما يجوز أن يكون شخصاً غير معين بذاته عند الاشتراط، إذا كان من الممكن تعيينه، وقت الوفاء بالالتزام المشترط.» ولذلك يصح أن يُشترط لمصلحة مولود لم يولد بعد، أو لمصلحة طائفة من الأشخاص يمكن تعيينهم عند التنفيذ.
حق المستفيد المباشر
أهم أثر للاشتراط ما قررته المادة 206: «يترتب على الاشتراط لمصلحة الغير أن يثبت للمستفيد. في ذمة المتعهد، حق شخصي له، يكون له يستأديه منه مباشرة، وذلك ما لم يتفق على خلافه، ومع مراعاة ما تقضي به المادة التالية.» فالمستفيد ليس طرفاً في العقد، لكنه يكتسب حقاً شخصياً يطالب به المتعهد بنفسه دون وساطة المشترط، إلا إذا اتفق على خلاف ذلك. وتضيف المادة ذاتها أنه «يجوز للمشترط أن يطالب المتعهد بأداء الحق المشترط للمستفيد، ما لم يتبين من العقد أن ذلك مقصور على المستفيد دونه.» فللمشترط كذلك أن يطالب بالتنفيذ لصالح المستفيد.
دفوع المتعهد في مواجهة المستفيد
حق المستفيد مصدره العقد، ولذلك يبقى مرتبطاً بعيوب العقد. تنص المادة 207 على أنه «يجوز للمتعهد أن يتمسك، في مواجهة المستفيد، بكل الدفوع التي تنشأ له من عقد الاشتراط، والتي كان يمكنه أن يتمسك بها في مواجهة المشترط.» فإن كان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال، أو كان المشترط نفسه قد أخل بالتزامه، فللمتعهد أن يدفع بذلك في وجه المستفيد. وفي حالات الإخلال يرجع الأمر إلى قواعد فسخ العقد وانفساخه والدفع بعدم التنفيذ.
صور عملية للاشتراط لمصلحة الغير
- عقد البيع الذي يشترط فيه البائع على المشتري أن يؤدي جزءاً من الثمن لدائن للبائع أو لأحد أقاربه.
- عقد التأمين الذي يسمّي فيه المؤمّن له شخصاً يستحق مبلغ التأمين عند تحقق الخطر.
- عقود المقاولة أو التوريد التي يُشترط فيها أن يُسلَّم العمل أو المنتج لطرف ثالث.
- العقود التي تتضمن التزاماً بتقديم نفقة أو رعاية لشخص معين أو لأولاد لم يولدوا بعد.
الفرق بين التعهد عن الغير والاشتراط لمصلحته
في التعهد عن الغير يُلزم المتعهد نفسه بأن يحصل على التزام من غيره، فيتحمل هو المسؤولية إن رفض الغير. وفي الاشتراط لمصلحة الغير يلتزم المتعهد بأداء شيء للغير، فيكسب الغير حقاً مباشراً قِبَله. والخلط بينهما يغيّر موقف الدعوى: ففي الأول يُطالَب المتعهد بالتعويض، وفي الثاني يطالب المستفيد بالتنفيذ نفسه.
نصائح عند الصياغة وعند الدعوى
- اذكر في العقد صراحة اسم المستفيد أو معيار تعيينه، وبيّن مصلحة المشترط في الاشتراط.
- بيّن إن كان للمشترط وحده حق المطالبة أو للمستفيد وحده أو لهما معاً، لأن النص أجاز الاتفاق على الخلاف.
- راجع قبل المطالبة دفوع المتعهد المحتملة المتصلة بصحة العقد وتنفيذه.
- إذا كان العقد يتضمن تعهداً عن الغير فاحرص على الحصول على رضا الغير كتابة، لأنه هو الذي يُبرئ ذمة المتعهد.
الأسئلة الشائعة
هل يستطيع شخص ليس طرفاً في العقد أن يطالب بحق منه؟
نعم إذا كان العقد اشتراطاً لمصلحته، فتقرر المادة 206 أن يثبت للمستفيد حق شخصي يستأديه من المتعهد مباشرة ما لم يتفق على خلافه.
هل يلزم الغير بما تعهد به غيره عنه؟
لا، فالتعهد عن الغير يُلزم المتعهد وحده، ولا يلتزم الغير إلا إذا ارتضى الالتزام.
هل يصح الاشتراط لمصلحة شخص لم يولد بعد؟
نعم، فقد أجازت المادة 205 أن يكون المستفيد شخصاً مستقبلاً أو غير معين بذاته إذا أمكن تعيينه وقت الوفاء بالالتزام المشترط.
هل يستطيع المتعهد الدفع في وجه المستفيد بعيوب العقد؟
نعم، تجيز المادة 207 للمتعهد أن يتمسك بكل الدفوع التي تنشأ من عقد الاشتراط والتي كان يمكنه التمسك بها في مواجهة المشترط.
هذا المقال عرض عام لنصوص قانونية ولا يغني عن استشارة محام في عقد أو نزاع بعينه، فصياغة الاشتراط وتحديد المستفيد وحقوقه تختلف بحسب وقائع كل حالة. وللتأكد من عقودك أو لمطالبة بحق نشأ لك من عقد لم تكن طرفاً فيه، يمكنك حجز استشارة مع المكتب، وللاطلاع على الإطار العام للأحكام التجارية راجع قوانين الشركات.
تحتاج استشارة قانونية؟
تواصل مع المحامي مشاري عبيد العنزي — خبرة أكثر من ١٠ سنوات في المحاكم الكويتية
